2008-09-04

آخر ظهور للشاعر محمود درويش أمام الجمهور يوم 14 تموز 2008 ، وذلك في قراءات شعرية
صاحبه فيها الأخوين جبران عزفا على العود ( وسام و سمير جبران ) .
المكان : المسرح الأثري بـ آرلز

2008-08-22

نسر على ارتفاع منخفض

قال المسافر في القصيدة
للمسافر في القصيدة:
كم تبقَّى من طريقك؟
-كله
-فاذهب إذاً، واذهب
كأنك قد وصلت...ولم تصل
-لولا الجهات، لكان قلبي هدهداً
-لو كان قلبك هدهداً لتبعته
-من أنت؟ ما اسمك؟
-لا اسم لي في رحلتي
-أأراك ثانية؟
-نعم. في قمتي جبلين بينهما
صدى عال وهاوية... أراك
-وكيف نقفز فوق هاوية
ولسنا طائرين؟
-إذن نغني:
من يرانا لا نراه
ومن نراه لا يرانا
-ثم ماذا؟
-لا نغني
-ثم ماذا؟
-ثم تسألني وأسأل:
كم تبقى من طريقك؟
-كله
-هل كله يكفي لكي يصل المسافر؟
-لا. ولكني أرى نسراً خرافياً
يحلق فوقنا... وعلى ارتفاع منخفض!

2008-08-17

وجهة نظر

الفارق بين النرجس وعبَّاد الشمس هو
الفرق بين وجهتي نظر: الأول ينظر إلى
صورته في الماء، ويقول: لا أنا إلا
أنا. والثاني ينظر إلى الشمس ويقول:
ما أنا إلا ما أعبد.
وفي الليل، يضيق الفارق، ويتسع التأويل!

2008-08-14

لاعب النرد

مَنْ أَنا لأقول لكمْ

ما أَقول لكمْ ؟

وأَنا لم أكُنْ حجراً صَقَلَتْهُ المياهُ

فأصبح وجهاً

ولا قَصَباً ثقَبتْهُ الرياحُ

فأصبح ناياً ...

أَنا لاعب النَرْدِ ،

أَربح حيناً وأَخسر حيناً

أَنا مثلكمْ

أَو أَقلُّ قليلاً ...

وُلدتُ إلى جانب البئرِ

والشجراتِ الثلاثِ الوحيدات كالراهباتْ

وُلدتُ بلا زَفّةٍ وبلا قابلةْ

وسُمِّيتُ باسمي مُصَادَفَةً

وانتميتُ إلى عائلةْ

مصادفَةً ،

ووَرِثْتُ ملامحها والصفاتْ

وأَمراضها :

أَولاً - خَلَلاً في شرايينها

وضغطَ دمٍ مرتفعْ

ثانياً - خجلاً في مخاطبة الأمِّ والأَبِ

والجدَّة - الشجرةْ

ثالثاً - أَملاً في الشفاء من الانفلونزا

بفنجان بابونجٍ ساخنٍ

رابعاً - كسلاً في الحديث عن الظبي والقُبَّرة

خامساً - مللاً في ليالي الشتاءْ

سادساً - فشلاً فادحاً في الغناءْ ...

ليس لي أَيُّ دورٍ بما كنتُ

كانت مصادفةً أَن أكونْ

ذَكَراً ...

ومصادفةً أَن أَرى قمراً

شاحباً مثل ليمونة يَتحرَّشُ بالساهرات

ولم أَجتهد

كي أَجدْ

شامةً في أَشدّ مواضع جسميَ سِرِّيةً !

كان يمكن أن لا أكونْ

كان يمكن أن لا يكون أَبي

قد تزوَّج أمي مصادفةً

أَو أكونْ

مثل أختي التي صرخت ثم ماتت

ولم تنتبه

إلى أَنها وُلدت ساعةً واحدةْ

ولم تعرف الوالدةْ ...

أَو : كَبَيْض حَمَامٍ تكسَّرَ

قبل انبلاج فِراخ الحمام من الكِلْسِ /

كانت مصادفة أَن أكون

أنا الحيّ في حادث الباصِ

حيث تأخَّرْتُ عن رحلتي المدرسيّةْ

لأني نسيتُ الوجود وأَحواله

عندما كنت أَقرأ في الليل قصَّةَ حُبٍّ

تَقمَّصْتُ دور المؤلف فيها

ودورَ الحبيب - الضحيَّةْ

فكنتُ شهيد الهوى في الروايةِ

والحيَّ في حادث السيرِ /

لا دور لي في المزاح مع البحرِ

لكنني وَلَدٌ طائشٌ

من هُواة التسكّع في جاذبيّة ماءٍ

ينادي : تعال إليّْ !

ولا دور لي في النجاة من البحرِ

أَنْقَذَني نورسٌ آدميٌّ

رأى الموج يصطادني ويشلُّ يديّْ

كان يمكن أَلاَّ أكون مُصاباً

بجنِّ الُمعَلَّقة الجاهليّةِ

لو أَن بوَّابة الدار كانت شماليّةً

لا تطلُّ على البحرِ

لو أَن دوريّةَ الجيش لم تر نار القرى

تخبز الليلَ

لو أَن خمسة عشر شهيداً

أَعادوا بناء المتاريسِ

لو أَن ذاك المكان الزراعيَّ لم ينكسرْ

رُبَّما صرتُ زيتونةً

أو مُعَلِّم جغرافيا

أو خبيراً بمملكة النمل

أو حارساً للصدى !

مَنْ أنا لأقول لكم

ما أقول لكم

عند باب الكنيسةْ

ولستُ سوى رمية النرد

ما بين مُفْتَرِسٍ وفريسةْ

ربحت مزيداً من الصحو

لا لأكون سعيداً بليلتيَ المقمرةْ

بل لكي أَشهد اﻟﻤﺠزرةْ

نجوتُ مصادفةً : كُنْتُ أَصغرَ من هَدَف عسكريّ

وأكبرَ من نحلة تتنقل بين زهور السياجْ

وخفتُ كثيراً على إخوتي وأَبي

وخفتُ على زَمَنٍ من زجاجْ

وخفتُ على قطتي وعلى أَرنبي

وعلى قمر ساحر فوق مئذنة المسجد العاليةْ

وخفت على عِنَبِ الداليةْ

يتدلّى كأثداء كلبتنا ...

ومشى الخوفُ بي ومشيت بهِ

حافياً ، ناسياً ذكرياتي الصغيرة عما أريدُ

من الغد - لا وقت للغد -

أَمشي / أهرولُ / أركضُ / أصعدُ / أنزلُ / أصرخُ /

أَنبحُ / أعوي / أنادي / أولولُ / أسرعُ / أبطئ / أهوي

/ أخفُّ / أجفُّ / أسيرُ / أطيرُ / أرى / لا أرى / أتعثَّرُ

/ أَصفرُّ / أخضرُّ / أزرقُّ / أنشقُّ / أجهشُ / أعطشُ

/ أتعبُ / أسغَبُ / أسقطُ / أنهضُ / أركضُ / أنسى

/ أرى / لا أرى / أتذكَُّر / أَسمعُ / أبصرُ / أهذي /

أُهَلْوِس / أهمسُ / أصرخُ / لا أستطيع / أَئنُّ / أجنّ /

أَضلّ / أقلُّ / وأكثرُ / أسقط / أعلو / وأهبط / أدْمَى

/ ويغمى عليّ /

ومن حسن حظّيَ أن الذئاب اختفت من هناك

مُصَادفةً ، أو هروباً من الجيشِ /

لا دور لي في حياتي

سوى أَنني ،

عندما عَلَّمتني تراتيلها ،

قلتُ : هل من مزيد ؟

وأَوقدتُ قنديلها

ثم حاولتُ تعديلها ...

كان يمكن أن لا أكون سُنُونُوَّةً

لو أرادت لِيَ الريحُ ذلك ،

والريح حظُّ المسافرِ ...

شمألتُ ، شرَّقتُ ، غَرَّبتُ

أما الجنوب فكان قصياً عصيّاً عليَّ

لأن الجنوب بلادي

فصرتُ مجاز سُنُونُوَّةٍ لأحلِّق فوق حطامي

ربيعاً خريفاً ..

أُعمِّدُ ريشي بغيم البحيرةِ

ثم أطيل سلامي

على الناصريِّ الذي لا يموتُ

لأن به نَفَسَ الله

والله حظُّ النبيّ ...

ومن حسن حظّيَ أَنيَ جارُ الأُلوهةِ

...

من سوء حظّيَ أَن الصليب

هو السُلَّمُ الأزليُّ إلى غدنا !

مَنْ أَنا لأقول لكم

ما أقولُ لكم ،

مَنْ أنا ؟

كان يمكن أن لا يحالفني الوحيُ

والوحي حظُّ الوحيدين

« إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ »

على رُقْعَةٍ من ظلامْ

تشعُّ ، وقد لا تشعُّ

فيهوي الكلامْ

كريش على الرملِ /

لا دَوْرَ لي في القصيدة

غيرُ امتثالي لإيقاعها :

حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً

وحَدْساً يُنَزِّلُ معنى

وغيبوبة في صدى الكلمات

وصورة نفسي التي انتقلت

إلى غيرها « أَنايَ » من

واعتمادي على نَفَسِي

وحنيني إلى النبعِ /

لا دور لي في القصيدة إلاَّ

إذا انقطع الوحيُ

والوحيُ حظُّ المهارة إذ تجتهدْ

كان يمكن ألاَّ أحبّ الفتاة التي

سألتني : كمِ الساعةُ الآنَ ؟

لو لم أَكن في طريقي إلى السينما ...

كان يمكن ألاَّ تكون خلاسيّةً مثلما

هي ، أو خاطراً غامقاً مبهما ...

هكذا تولد الكلماتُ . أدرِّبُ قلبي

على الحب كي يَسَعَ الورد والشوكَ ...

صوفيَّةٌ مفرداتي . وحسِّيَّةٌ رغباتي

ولستُ أنا مَنْ أنا الآن إلاَّ

إذا التقتِ الاثنتانِ :

أَنا ، وأَنا الأنثويَّةُ

يا حُبّ ! ما أَنت ؟ كم أنتَ أنتَ

ولا أنتَ . يا حبّ ! هُبَّ علينا

عواصفَ رعديّةً كي نصير إلى ما تحبّ

لنا من حلول السماويِّ في الجسديّ .

وذُبْ في مصبّ يفيض من الجانبين .

فأنت - وإن كنت تظهر أَو تَتَبطَّنُ -

لا شكل لك

ونحن نحبك حين نحبُّ مصادفةً

أَنت حظّ المساكين /

من سوء حظّيَ أَني نجوت مراراً

من الموت حبّاً

ومن حُسْن حظّي أنيَ ما زلت هشاً

لأدخل في التجربةْ !

يقول المحبُّ اﻟﻤﺠرِّبُ في سرِّه :

هو الحبُّ كذبتنا الصادقةْ

فتسمعه العاشقةْ

وتقول : هو الحبّ ، يأتي ويذهبُ

كالبرق والصاعقة

للحياة أقول : على مهلك ، انتظريني

إلى أن تجفُّ الثُمَالَةُ في قَدَحي ...

في الحديقة وردٌ مشاع ، ولا يستطيع

الهواءُ

الفكاكَ من الوردةِ /

انتظريني لئلاَّ تفرَّ العنادلُ مِنِّي

فاُخطئ في اللحنِ /

في الساحة المنشدون يَشُدُّون أوتار آلاتهمْ

لنشيد الوداع . على مَهْلِكِ اختصريني

لئلاَّ يطول النشيد ، فينقطع النبرُ بين المطالع ،

وَهْيَ ثنائيَّةٌ والختامِ الأُحاديّ :

تحيا الحياة !

على رسلك احتضنيني لئلاَّ تبعثرني الريحُ /

حتى على الريح ، لا أستطيع الفكاك

من الأبجدية /

لولا وقوفي على جَبَلٍ

لفرحتُ بصومعة النسر : لا ضوء أَعلى !

ولكنَّ مجداً كهذا الُمتوَّجِ بالذهب الأزرق اللانهائيِّ

صعبُ الزيارة : يبقى الوحيدُ هناك وحيداً

ولا يستطيع النزول على قدميه

فلا النسر يمشي

ولا البشريُّ يطير

فيا لك من قمَّة تشبه الهاوية

أنت يا عزلة الجبل العالية !

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ

أو سأكونْ ...

هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ

قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا

أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء

نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد

نسمّيه خادم آلهة في أساطيرَ

نحن الذين كتبنا النصوص لهم

واختبأنا وراء الأولمب ...

فصدَّقهم باعةُ الخزف الجائعون

وكَذَّبَنا سادةُ الذهب المتخمون

ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال

هو الواقعيُّ على خشبات المسارحِ /

خلف الكواليس يختلف الأَمرُ

ليس السؤال : متى ؟

بل : لماذا ؟ وكيف ؟ وَمَنْ

مَنْ أنا لأقول لكم

ما أقول لكم ؟

كان يمكن أن لا أكون

وأن تقع القافلةْ

في كمين ، وأن تنقص العائلةْ

ولداً ،

هو هذا الذي يكتب الآن هذي القصيدةَ

حرفاً فحرفاً ، ونزفاً ونزفاً

على هذه الكنبةْ

بدمٍ أسود اللون ، لا هو حبر الغراب

ولا صوتُهُ ،

بل هو الليل مُعْتَصراً كُلّه

قطرةً قطرةً ، بيد الحظِّ والموهبةْ

كان يمكن أن يربح الشعرُ أكثرَ لو

لم يكن هو ، لا غيره ، هُدْهُداً

فوق فُوَهَّة الهاويةْ

ربما قال : لو كنتُ غيري

لصرتُ أنا، مرَّةً ثانيةْ

هكذا أَتحايل : نرسيس ليس جميلاً

كما ظنّ . لكن صُنَّاعَهُ

ورَّطوهُ بمرآته . فأطال تأمُّلَهُ

في الهواء المقَطَّر بالماء ...

لو كان في وسعه أن يرى غيره

لأحبَّ فتاةً تحملق فيه ،

وتنسى الأيائل تركض بين الزنابق والأقحوان ...

ولو كان أَذكى قليلاً

لحطَّم مرآتَهُ

ورأى كم هو الآخرون ...

ولو كان حُرّاً لما صار أسطورةً ...

والسرابُ كتابُ المسافر في البيد ...

لولاه ، لولا السراب ، لما واصل السيرَ

بحثاً عن الماء . هذا سحاب - يقول

ويحمل إبريق آماله بِيَدٍ وبأخرى

يشدُّ على خصره . ويدقُّ خطاه على الرملِ

كي يجمع الغيم في حُفْرةٍ .

والسراب يناديه

يُغْويه ، يخدعه ، ثم يرفعه فوق : إقرأ

إذا ما استطعتَ القراءةَ . واكتبْ إذا

ما استطعت الكتابة . يقرأ : ماء ، وماء ،

وماء .

ويكتب سطراً على الرمل : لولا السراب

لما كنت حيّاً إلى الآن /

من حسن حظِّ المسافر أن الأملْ

توأمُ اليأس ، أو شعرُهُ المرتجل

حين تبدو السماءُ رماديّةً

وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً

من شقوق جدارْ

لا أقول : السماء رماديّةٌ

بل أطيل التفرُّس في وردةٍ

وأَقول لها : يا له من نهارْ !

ولاثنين من أصدقائي أقول على مدخل

الليل :

إن كان لا بُدَّ من حُلُم ، فليكُنْ

مثلنا ... وبسيطاً

كأنْ : نَتَعَشَّى معاً بعد يَوْمَيْنِ

نحن الثلاثة ،

مُحْتَفلين بصدق النبوءة في حُلْمنا

وبأنَّ الثلاثة لم ينقصوا واحداً

منذ يومين ،

فلنحتفل بسوناتا القمرْ

وتسامُحِ موت رآنا معاً سعداء

فغضَّ النظرْ !

لا أَقول : الحياة بعيداً هناك حقيقيَّةٌ

وخياليَّةُ الأمكنةْ

بل أقول : الحياة ، هنا ، ممكنةْ

ومصادفةً ، صارت الأرض أرضاً مُقَدَّسَةً

لا لأنَّ بحيراتها ورباها وأشجارها

نسخةٌ عن فراديس علويَّةٍ

بل لأن نبيّاً تمشَّى هناك

وصلَّى على صخرة فبكتْ

وهوى التلُّ من خشية الله

مُغْمىً عليه

ومصادفةً ، صار منحدر الحقل في بَلَدٍ

متحفاً للهباء ...

لأن ألوفاً من الجند ماتت هناك

من الجانبين ، دفاعاً عن القائِدَيْنِ اللذين

يقولان : هيّا . وينتظران الغنائمَ في

خيمتين حريرَيتَين من الجهتين ...

يموت الجنود مراراً ولا يعلمون

إلى الآن مَنْ كان منتصراً !

ومصادفةً ، عاش بعض الرواة وقالوا :

لو انتصر الآخرون على الآخرين

لكانت لتاريخنا البشريّ عناوينُ أخرى

يا أرضُ خضراءَ . تُفَّاحَةً . « أحبك خضراءَ »ُ

تتموَّج في الضوء والماء . خضراء . ليلُكِ

أَخضر . فجرك أَخضر . فلتزرعيني برفق...

برفقِ يَدِ الأم ، في حفنة من هواء .

أَنا بذرة من بذورك خضراء ... /

تلك القصيدة ليس لها شاعر واحدٌ

كان يمكن ألا تكون غنائيَّةَ ...

من أنا لأقول لكم

ما أَقول لكم ؟

كان يمكن أَلاَّ أكون أَنا مَنْ أَنا

كان يمكن أَلاَّ أكون هنا ...

كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ

بي صباحاً ،

ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحى

فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ

كان يمكن أَلاَّ أرى الشام والقاهرةْ

ولا متحف اللوفر ، والمدن الساحرةْ

كان يمكن ، لو كنت أَبطأَ في المشي ،

أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي

عن الأرزة الساهرةْ

كان يمكن ، لو كنتُ أَسرع في المشي ،

أَن أَتشظّى

وأصبح خاطرةً عابرةْ

كان يمكن ، لو كُنْتُ أَسرف في الحلم ،

أَن أَفقد الذاكرة .

ومن حسن حظِّيَ أَني أنام وحيداً

فأصغي إلى جسدي

وُأصدِّقُ موهبتي في اكتشاف الألمْ

فأنادي الطبيب، قُبَيل الوفاة، بعشر دقائق

عشر دقائق تكفي لأحيا مُصَادَفَةً

وُأخيِّب ظنّ العدم

مَنْ أَنا لأخيِّب ظنَّ العدم ؟

مَنْ أنا ؟ مَنْ أنا ؟

2008-08-12

بقية حياة

إذا قيل لي: ستموتُ هنا في المساء
فماذا ستفعل في ما تبقَّى من الوقتِ؟

ـ أنظرُ في ساعة اليد/
أشربُ كأسَ عصيرٍ،
وأَقضم تُفَّاحَةً،
وأطيلُ التأمُّلَ في نَمْلَةٍ وَجَدَتْ رزقها،

ثم أنظر في ساعة اليدِ/
ما زال ثمَّة وقتٌ لأحلق ذقني
وأَغطس في الماء/ أهجس:
"لا بُدَّ من زينة للكتابة/
فليكن الثوبُ أزرق"/
أجْلِسُ حتى الظهيرة حيّاً إلى مكتبي
لا أرى أَثر اللون في الكلمات،
بياضٌ، بياضٌ، بياضٌ...
أُعِدُّ غدائي الأخير
أَصبُّ النبيذ بكأسين: لي
ولمن سوف يأتي بلا موعد،
ثم آخذ قَيْلُولَةً بين حُلْمَينْ/
لكنّ صوت شخيري سيوقظني...

ثم أَنظر في ساعة اليد:
ما زال ثمّةَ وَقْتٌ لأقرأ/
أقرأ فصلاً لدانتي ونصْفَ مُعَلَّقَةٍ
وأرى كيف تذهب مني حياتي
إلى الآخرين، ولا أتساءل عَمَّنْ
سيملأ نقصانها

ـ هكذا ؟
ـ هكذا ، هكذا
ـ ثم ماذا ؟

ـ أمشّط شَعْري، وأرمي القصيدة...
هذي القصيدة في سلة المهملات

وألبس أحدث قمصان إيطاليا،
وأُشَيّع نفسي بحاشيةٍ من كمنجات إسبانيا
ثم أمشي إلى المقبرةْ
!

لولا الحياء والظلام، لزرتُ غزة

أنت منذ الآن غيرك هل كان علينا أن نسقط من عُلُوّ شاهق،
ونرى دمنا على أيدينا... لنُدْرك أننا لسنا ملائكة.. كما كنا نظن؟

وهل كان علينا أيضاً أن نكشف عن عوراتنا أمام الملأ،
كي لا تبقى حقيقتنا عذراء؟ كم كَذَبنا حين قلنا: نحن استثناء!

أن تصدِّق نفسك أسوأُ من أن تكذب على غيرك!

أن نكون ودودين مع مَنْ يكرهوننا، وقساةً مع مَنْ يحبّونَنا -
تلك هي دُونيّة المُتعالي، وغطرسة الوضيع!

أيها الماضي! لا تغيِّرنا... كلما ابتعدنا عنك!
أيها المستقبل: لا تسألنا: مَنْ أنتم؟ وماذا تريدون مني؟
فنحن أيضاً لا نعرف.

أَيها الحاضر! تحمَّلنا قليلاً، فلسنا سوى عابري سبيلٍ ثقلاءِ الظل!

الهوية هي: ما نُورث لا ما نَرِث. ما نخترع لا ما نتذكر.
الهوية هي فَسادُ المرآة التي يجب أن نكسرها كُلَّما أعجبتنا الصورة!

تَقَنَّع وتَشَجَّع، وقتل أمَّه.. لأنها هي ما تيسَّر له من الطرائد..
ولأنَّ جنديَّةً أوقفته وكشفتْ له عن نهديها قائلة:
هل لأمِّك، مثلهما؟

لولا الحياء والظلام، لزرتُ غزة، دون أن أعرف الطريق
إلى بيت أبي سفيان الجديد، ولا اسم النبي الجديد!
ولولا أن محمداً هو خاتم الأنبياء،
لصار لكل عصابةٍ نبيّ، ولكل صحابيّ ميليشيا!

أعجبنا حزيران في ذكراه الأربعين:
إن لم نجد مَنْ يهزمنا ثانيةً هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى!

مهما نظرتَ في عينيّ.. فلن تجد نظرتي هناك.
خَطَفَتْها فضيحة! قلبي ليس لي... ولا لأحد.
لقد استقلَّ عني، دون أن يصبح حجراً.

هل يعرفُ مَنْ يهتفُ على جثة ضحيّته - أخيه: >الله أكبر< أنه كافر إذ يرى الله على صورته هو: أصغرَ من كائنٍ بشريٍّ سويِّ التكوين؟ أخفى السجينُ، الطامحُ إلى وراثة السجن، ابتسامةَ النصر عن الكاميرا. لكنه لم يفلح في كبح السعادة السائلة من عينيه . رُبَّما لأن النصّ المتعجِّل كان أَقوى من المُمثِّل. ما حاجتنا للنرجس، ما دمنا فلسطينيين. وما دمنا لا نعرف الفرق بين الجامع والجامعة، لأنهما من جذر لغوي واحد، فما حاجتنا للدولة... ما دامت هي والأيام إلى مصير واحد؟. لافتة كبيرة على باب نادٍ ليليٍّ: نرحب بالفلسطينيين العائدين من المعركة. الدخول مجاناً! وخمرتنا... لا تُسْكِر!. لا أستطيع الدفاع عن حقي في العمل، ماسحَ أحذيةٍ على الأرصفة. لأن من حقّ زبائني أن يعتبروني لصَّ أحذية ـ هكذا قال لي أستاذ جامعة!. أنا والغريب على ابن عمِّي. وأنا وابن عمِّي على أَخي. وأَنا وشيخي عليَّ. هذا هو الدرس الأول في التربية الوطنية الجديدة، في أقبية الظلام. من يدخل الجنة أولاً؟ مَنْ مات برصاص العدو، أم مَنْ مات برصاص الأخ؟ بعض الفقهاء يقول: رُبَّ عَدُوٍّ لك ولدته أمّك!. لا يغيظني الأصوليون، فهم مؤمنون على طريقتهم الخاصة. ولكن، يغيظني أنصارهم العلمانيون، وأَنصارهم الملحدون الذين لا يؤمنون إلاّ بدين وحيد: صورهم في التلفزيون!. سألني: هل يدافع حارس جائع عن دارٍ سافر صاحبها، لقضاء إجازته الصيفية في الريفيرا الفرنسية أو الايطالية.. لا فرق؟ قُلْتُ: لا يدافع!. وسألني: هل أنا + أنا = اثنين؟ قلت: أنت وأنت أقلُّ من واحد!. لا أَخجل من هويتي، فهي ما زالت قيد التأليف. ولكني أخجل من بعض ما جاء في مقدمة ابن خلدون. أنت، منذ الآن، غيرك!.

2008-08-09

لم يسألوا : ماذا وراء الموت
لم يسألوا :ماذا وراء الموت ؟ كانوا
يحفظون خريطة الفردوس أكثر من
كتاب الأرض ، يشغلهم سؤال آخر:
ماذا سنفعل قبل هذا الموت ؟ قرب
حياتنا نحيا، ولا نحيا. كأن حياتنا
حصص من الصحراء مختلف عليها بين
آلهة العقار ، ونحن جيران الغبار الغابرون .
حياتنا عبء على ليل المؤرخ ” كلما
أخفيتهم طلعوا على من الغياب ” ….
حياتنا عبء على الرسام : ” أرسمهم ،
فأصبح واحدا منهم ،ويحجبني الضباب ” .
حياتنا عبء على الجنرال : كيف يسيل
من شبح دم ؟ “ وحياتنا
هي أن نكون كما نريد. نريد أن
نحيا قليلا ، لا لشيء … بل لنحترم
القيامة بعد هذا الموت . واقتبسوا ،
كلام الفيلسوف : ” الموت لا يعنى
لنا شيئا . نكون فلا يكون .
الموت لا يعنى لنا شيئا ؟ يكون فلا
نكون “
و رتبوا أحلامهم
بطريقة أخرى. وناموا واقفين !

2007-07-24

حوار معه عن صحيفة الاتحاد الحيفاوية

بأي شعور استقبلت دعوة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ومجلة مشارف لأمسية شعرية في حيفا، وبأي شعور تتوجه الي الامسية والي حيفا؟

من الصعب عليّ ان أحدّد شعوري منذ الآن عندما سأواجه أبناء شعبي في مكان يحتلّ مكانة خاصة في شعري وفي ذكرياتي، وهو مدينة حيفا. من الطبيعي أن يكون الشعور الأول الذي أحمله الآن هو شعور باللهفة، وشعور بالخشية أيضًا، تمتزج الخشية باللهفة لأن الزمن الذي فصلنا عن بعض زمن طويل، كبرتُ فيه بطريقة ما، وأبناء جيلي كبروا بطريقة ما، ونمت أجيال جديدة لم يحصل من قبل احتكاك بحساسيتها الشعرية. لذلك أنا ذاهب إلي ما يشبه المجهول الجميل. كيفَ سيكون اللقاء؟ كيف سيكون التعامل مع شعري الجديد الذي أحرص دائمًا علي ان اقرأ منه ولا أكتفي بما تطالبني به ذاكرة قرّائي؟ أشعر كأني سأقرأ للمرة الأولي، وأني سأدخل امتحانًا عليّ أن أبذل كثيرا من الاستعداد لعبوره بنجاح. أرجو أن تكون المسافة الجغرافية بيني وبين قرّاء الشعر الذين سألتقيهم في حيفا مسافةً وهمية، وان يكون التطابق كاملا بين ما أحسّ به وما يحسّون به، وبين حساسيتي الشعرية وحساسيتهم الشعرية.

هناك وجوه وأمكنة لا بد وأنها راودتك حين تلقيت دعوة المشاركة، خصوصا أنك تقرأ في حيفا للمرة الاولي منذ قرابة أربعة عقود. هل خطرت لك لحظات معينة أو فكرت بأشخاص معينين حين تأكد لك حضورك الي حيفا؟

من المؤكد أن المكان، الذي هو حيفا، هو ليس جغرافيا فقط. إنما هو أيضًا وجوه وشخصيات وذاكرة. أتلهّف لـلّـقـاء بما تخزّنه ذاكرتي وبما سوف يفاجئني المكان به. لقد عشتُ في حيفا عشر سنوات كاملة، وفي حيفا عرفت كل أنواع التجارب الأولي: تحربة الكتابة، تجربة النشر، تجربة العمل الصحافي، تجربة السجن، الاعتقال المنزلي والإقامة الجبرية.. في حيفا ترعرعت شخصيتي الشعرية والثقافية والسياسيّة أيضًا. وبالتالي أستطيع ان أعتبر أن اكثر مكان موجود في نصّي الشعري وفي تكويني الثقافي هو حيفا، بدون شك. صحيح أنني لم أولد في حيفا، وحيفا ليست مدينتي، لكنها مدينتي بالتبني؛ تبنيتُ حيفا مثلما احتضنتني هي كواحد من أبنائها..
وجوه معينة..
علّمتُ نفسي ألا ارسم الوجوه مسبقا لأن الزمن فعل فعله ويسبب دائمًا خيبة أمل. لن أعرف الوجوه كما كانت مرسومة في ذاكرتي. أربعون عامًا تجري تعديلا جذريًا ليس علي وجوه البشر فحسب، أنما علي وجوه الصخر ايضًا.

ووجوه من غابوا، بأي مكان وأية ملامح تتذكرهم؟

أنا عملت في جريدة الاتحاد . وللأسف الشديد، كل الذين عملت معهم في الاتحاد قد رحلوا: إميل توما وإميل حبيبي، صليبا خميس، محمد خاص، عصام العباسي وعلي عاشور. لم يبق من هم أحياء سوي توفيق طوبي الذي أتمني له عمرًا مديدًا. ما زلت أذكر المكان: كان مبني الجريدة عبارة عن غرفتين فقط امامهما ساحة في شارع ماريوحنا. الذين عملت معهم وتعلمت منهم كثيرا غابوا جميعًا، للأسف الشديد.
لقد سُمّيَ الشارع نفسه لاحقا علي اسم حنا نقارة، محامي الأرض والشعب...

نحن أيضًا كنا نجاور منزل المرحوم حنا نقارة وكان يعطف علينا كثيرا..

ثمة مرويّات عديدة عن علاقتكم الوطيدة بأبي طوني (حنا نقارة) أنتم الكتاب والصحافيون الشباب في ذلك الوقت..
أبو طوني كان راعيًا لمجموعة من يعملون في الاتحاد ، وأوسع من ذلك. كان هو مضيفنا الدائم وكان شخصية محبوبة جدًا ومناضلا حقيقيا أذكره بكل الخير. للأسف عندما نتكلم عن أسماء ووجوه أشعر بالأسي لأني لن أجدها ثانية ولن أراها إلا في ذاكرتي. أصبح المكان ناقصًا كثيرًا، سأشعر أن حيفا ناقصة.

يشغل المكان حيّزًا أساسيًا ومهمًا في معمارك الشعريّ. أيّ خصوصية يكتسب المكان، كمفهوم وكواقع، حين نتحدّث عن حيفا؟ يبدو وكأن حيفا بقيت رغم البعد والوقت مدينتك المحلومة، وكأنّ جزءًا من ولعكَ ببيروت بالشكل الذي تبدّي في شعرك عائد إلي شبهها بحيفا؟

صحيح. صحيح. هناك شبه ما بين جغرافية وطوبوغرافية بيروت وحيفا. كلتاهما مدينتان علي البحر، علي نفس البحر، المتوسط. ولكن جبل الكرمل أكثر قربًا من البحر من جبل بيروت. المكان تحوّل الي كل صراعنا، صراعنا الوطني هو حول المكان وحول امتلاك المكان. الشاعر يسعي لامتلاك المكان من خلال تثبيته في اللغة، وفي شعري كثير من هذا الجهد مهما تغيّر المكان، فهو دائما ما يتعرض لتغييرات كي تتطابق الاسطورة والخرافة مع الواقع. الجرّافات تقوم بعملية تطويع المكان لمتطلبات الأسطورة. ولكن في ذاكرتنا المكان هو نفسه لا يتغيّر. وقد يفاجئنا انه تغيّر ولكن في الذاكرة التي رسمت الشكل النهائي له، يبقي المكان في مكانه حتي لو تمت محاولة نقله بالشاحنات وإجراء تعديلات عليه ليلائم متطلبات الخرافة.

هل تتغيّر خصوصية المكان ومعناه بين حيفا ورام الله، أو بين البروة ورام الله؟ البروة كمكان مفهومي من حيث التجربة المعاشة أكثر بينما رام الله التجربة بكل حدّتها وتفصيلاتها؟

البروة ليست مكانًا مفهوميًا او مجازيًا. هي المكان الذي وُلدت فيه ومنه نشأت طفولتي. هو اللوح الأول الذي تعلمت عليه كتابة الأبجدية، وبالتالي لا يمكن أن يصبح مفهوميًا او مجازيًا لشدّة ما هو قوي في الطفولة. أنت لا تستطيع ان تجري تعديلات علي الطفولة، تعديلات معطي ثابت لا يتحرّك، مُحمّلٌ بجماليات قد لا تكون مهمّة، لكنه متشكّلٌ بشكل شبه نهائي، وبصمَته علي اللغة وعلي السلوك وعلي الذاكرة بصمة الحفر أو الوشم. وبالتالي لا أستطيع القول إنه متخيّل حتي لو أبيد وأصبح اطلالاً. في البروة حتي الاطلال جري دفنها ببنايات أقيمت عليها. لكن عملي كشاعر هو الاستمرار بحفريات أركيولوجية وجمالية للاحتفاظ بهذا المكان في نصّي الشعري. هنا ندخل في اشكالية جمالية؛ أين يكون المكان أقوي، في اللغة الشعرية أم في الجغرافيا؟ أعتقد أننا حين نزور مكانًا ما، لأول مرة، ونكون قد قرأنا عنه نبحث عنه من خلال القراءة وليس العكس. أي أن القراءة هي دليلنا، السياحي حتي، إلي المكان. ونبحث هل ثمة تطابق بين الصورة التي كوّناها من خلال الأدب عن المكان، وبين المكان نفسه. دائمًا ننحاز أكثر إلي صورة المكان كما صوّره النصّ الأدبي.

لماذا؟

هذه قوّة الأدب، قوّة الأدب ومكرُه. حين تقرأ الأدب اليوناني مثلا، والتراجيديا الإغريقية مليئة بذكر الأمكنة، وعندما لا تجد المكان كما صوّرته التراجيديا الإغريقية فإنك تنحاز إلي صورته في الأدب. والأمر صحيح بالنسبة لوضعنا الحالي، الإسرائيليون يقرأون المكان من خلال وصفه التوراتي ويُجرون تعديلات ليتطابق مع وصفه التوراتيّ. لكي تبقي الضفة الغربية علي سبيل المثال كتابة توراتية. وهذا جزء من صراعنا الثقافي حول من يمتلك المكان، هل الذي كتبه أم الذي احتلّه؟ لو كان الصراع علي المكان صراعًا ادبيًا لكانت الحياة أقل بؤسًا، ولكن بيننا وبين الإسرائيليين صراع حول كتابة المكان. من يكتب المكان أولاً؟ إن من يكتب المكان بشكل أفضل يشعر أنه يملك الحق في المكان أكثر من غيره. لكن هل الذين لم يكتبوا لا حقّ لهم في المكان؟ وهل الذين لا نصّ أدبي لهم لا حقّ لهم في المكان؟ هل الأغبياء لا حقّ لهم في الوجود؟ هذا سؤال فلسفي.. جوابي هو طبعًا لا. الحق للجميع، للأغبياء والأذكياء، للأقوياء والضعفاء. لمن يمتلكون ماضيًا أبعد ولمن يمتلكون ماضيًا أقرب. أحد أشكال مشكلتنا الثقافية هو أننا، لكي نبزّ اليهود في أسبقيّة وجودنا علي هذه الأرض، لجأنا إلي أسطورتنا الكنعانية لكي نقول أننا كنا هنا قبل الآخرين. لكن ماذا لو لم نكن كنعانيين، ألا يحق لنا أن نكون مواطنين؟ ألا يحق لنا ان نكون أصحاب هذه الأرض؟
هذا الصراع حول الميثولوجيا جميل في الأدب، لكن حين نطبقه علي السياسة يصبح عبئًا ثقيلا.


ورام الله؟

رام الله بالنسبة لي مكان للزيارة. مكان للمشاركة في صَوْغ الهوية الوطنية. أمّا بالنسبة لي شخصيًا فلا معني خاص لها. لم أعرفها من قبل وليست لي فيها ذاكرة وليس لي فيها تاريخ. تعرّفت عليها منذ عشر سنوات فقط. وفي مثل هذا العمر لا أستطيع أن أبدع ذكريات وعلاقات حميمة مع المكان. أنا الآن في سن أصبحتْ فيه الأمكنة بالنسبة لي تقريبًا متشابهة. أشعر أنّ الوقت يداهمني وعليّ أن أنجز عملي، وعملي قد يتم في أية غرفة أسكنها في هذا العالم. لكن انتمائي لرام الله هو جزء من مشروعي الوطني وليس جزءًا من تكويني الشخصي الحميمي.


شكّلَ المنفي، فعليًا ورمزيًا، إحدي الثيمات الأساسية في عملك الشعريّ. ماذا تعني لك العودة ، إذا كان ثمة عودة، وأين تري مكانك الخاص الذي ترغب في العودة إليه؟

بعيدًا عن السياسة، لا أحد يعود إلي شيء. ليست هناك عودة، لا إلي الزمان، ولا إلي المكان المتخيّل. حتيّ عودة أوذيسيوس الي إيثاكا انتهت بخيبة أمل بعد لقائه بينلوب. لأن الزمن فرّق في مستوي شعورهما تجاه بعض. هناك ثنائية البيت والطريق وهي أيضًا سؤال وجودي مطروح دائما في الأدب، وهو سؤال جميل. أيّهما افضل؛ الطريق أم الوصول، البيت أم الطريق؟ المنفي يحمل عدة مستويات وأبعاد من التعريف. ثمة المنفي الوجودي والمنفي الميتافيزيقي، الجغرافي، والمنفي السياسي.. وهو أحد مشتقّات الاغتراب الذي هو ثيمة أساسية في الأدب العالمي تشير إلي اغتراب الإنسان عن أشياء كثيرة؛ اغترابه عن نفسه، وعن مجتمعه، اغترابه عن محاولة التشييء، تشييء الذات. وأرض البشر كلها يمكن أن تكون بهذا المعني منفًي ميتافيزيقيًا، فالأرض كلها عقوبة إلهية لارتكاب آدم وحواء مخالفة إلهية، وإرسالهم إلي الأرض كمنفي، الأرض كمنفي عن الجنة. التاريخ بدأ بوصول آدم إلي الأرض. أعجبني مرة قول أحد الفلاسفة أنه لولا قصة الحب بين حواء وآدم لما كان هناك تاريخ، ولكـُنا تخلّـصنا من التاريخ لأن التاريخ بدأ من هذه العقوبة. أنا المنفي يتلـبّسني، حتي عندما كنت أعيش في حيفا كنت منفيًا. فما معني أن تكون سجينًا، ما معني أن تكون لاجئًا في بلادك؟ هذا أيضا شكل من أشكال النفي والإقصاء. كما أقول دائمًا، عندما كنت في المنفي الخارجي كنت دائمًا ممتلئًا بالوطن، وعندما عدت، مجازًا، إلي الوطن حافظت علي المنفي أيضًا. المنفي موجود في الوطن وخارجه، والوطن موجود في الوطن وخارجه. وثنائية الوطن والمنفي موجودة في كل واحد فينا علي درجة أو أخري من القسوة أو الألم. قد يكون المنفي أليفًا، وقد يكون الوطن وحشياً. أنا طبعا لا أدافع عن المنفي ولكن أشرح، ردًا علي سؤالكم، علاقتي الملتبسة بالمنفي. الاحتلال يسبب لي احساساً بالمنفي. الاضطهاد يسبب لي إحساسًا بالمنفي. الفقر يسبّب لي إحساسًا بالمنفي. فالمنفي عدة حالات وتجليات لا حصر لها. والأدب يستطيع طبعًا أن ينمو في المنفي، وهناك أدباء عظماء في التاريخ أبدعوا إبداعاتهم الكبري في المنفي. جيمس جويس مثلا اختار المنفي ليكتب رائعته عوليس . والأنبياء أيضًا عاشوا في المنافي، كل الأنبياء.


سكنتَ لسنوات طويلة، لعقد كامل من الزمن، في شارع عباس ، وقضيت 3 سنوات تحت الإقامة الجبرية في بيتك ذاك، كيف تتذكّر اليوم مكانك الخاص بعد مضيّ كل هذا الوقت، خصوصًا مع التباس حميمية البيت بفقدان حريتكَ فيه. كان بيتك وسجنك في الوقت نفسه؟

السجن ايضا له عدة أشكال. قد يصبح البيت سجناً، وقد يكون أحيانا في زنزانة، في سجن حقيقي، أفق أوسع من أن تكون في سهل مفتوح. السجن كثافة. أنتَ تجلس فيه مع نفسك ولا تستطيع أن تقاوم هذه العزلة القسرية في مساحة جغرافية ضيّقة إلا بتفتيح الخيال علي عالم مُتخيّل وأوسع وأجمل وأبعد. قد يكون أحيانا ضيق المكان مناسبة لفتح سعة الأفق علي مداه. لكن عندما يصبح البيت سجنًا تضيق المساحة. السّعة في السجن الحقيقي أكبر من مساحة الحرية في البيت عندما يتحوّل الي سجن.لأنك عندها تشعر بثلاثة أشياء، بالغيظ، وبنوع من التعسّف، وبالقسوة. وتعاني من حق الشرطة في تلك الحالة أن تدخل عليك في أي وقت تشاء لتتاكد من وجودك. فأن تكون مسجونا غير مسمّي سجيناً، هذا يترك شعورا أقسي بكثير من أن تكون سجينًا وتشعر أنك حرٌ. عندما تكون سجيناً في البيت تتمتع بحرية ما نسبيّة، أنت لست سجيناً وليس معترف بك كسجين.بينما في السجن معترف بك كسجين وتتعامل مع نفسك كسجين وتطوّر تأملاتِ وتطلّعات الي حريّة مُتخيّلة انطلاقا من ذلك.


كتبتَ الي الاتحاد في عيدها الستين لم تكن الاتحاد جريدة إخبارية بقدر ما كانت ورشة عمل لاجتراح الأمل للخارجين من ليل النكبة وأضفت هناك تعلمت طريقة الاهتداء الي ذاتي والي علاقتها بالجماعة . كيف تري الي الدور الذي لعبته هذه الصحيفة في الحفاظ علي وصقل الهوية الوطنية للبقية الباقية من الشعب الفلسطيني؟

"الاتحاد"لا تحتاج الي مديح في هذا الشأن، فدورها في حماية وفي الدفاع عن الهوية الثقافية والوطنية للجماهير العربية في اسرائيل دور معترف به ومعروف. وقد خرّجت تقريبًا، مما تعنيه الاتحاد ، هذا الإطار الواسع، كل الكتاب والشعراء الحقيقيين في الداخل. ما عدا أسماء قليلة احتلّت مكانة أدبية خارج هذا الإطار. لكن التيار الأساسي في الأدب الفلسطيني في الداخل نشأ من خلال جريدة الاتحاد ، التي استطاعت إيجاد نواة توازن أو حلاً ما في التأزّم والتوتّر القائم بين الهويّة والجنسيّة، ورجّحت سؤال البقاء علي سؤال مدّ التوتّر الي حدوده القصوي، لأن سؤال البقاء في الوطن والدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية كان مرجّحاً علي سؤال كيف أكون عربيا وإسرائيليا، وهو سؤال صعب: كيف يكون العربي إسرائيليًا؟ إستطاعت الاتحاد أن تدافع عن الحقوق القومية للجماهير العربية في اسرائيل بوصفهم جزءًا من الشعب العربي الفلسطيني، وأن تطرح حلا للقضية الفلسطينية يقوم علي أساس الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين والاعتراف بالحقيقة التاريخية التي نشأت علي هذه الأرض وهي وجود شعبين. وبالتالي كانت سبّاقة لحل المسألة القومية حلاً معقولاً مع الدفاع عن الحقوق المدنية واليومية للمواطنين العرب. وأنشأت جبهة تحالف بين القوي الديمقراطية اليهودية والعربية، وبالتالي هذا الدور الذي قامت به الاتحاد وحزبها ما زال صالحا حتي اليوم.

فيما يتعلق بالهوية، من خلال إطلالتك أو متابعتك لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني،فلسطينيي الداخل، هل لاحظت علي مدي العقود الأربعة الاخيرة كأن هناك تغيّرات في منسوب الهويّة، تحولات في الهويّة، الوطنية الجامعة، أم أن المسألة أن هناك ثوابت أساسية موجودة ولا تحتمل تحوّلات.

ثمة مدارس أكاديمية تدّعي أن هناك تحوّلات تطرأ علي هذه الهوية، وهناك عرب فلسطينيون يوافقون علي هذا الطرح.

أنا غير مُخوّل ولا مؤهّل لابداء رأيي في هذه التحوّلات لأني خارج موقع الشهادة المباشرة منذ مدّة طويلة. لكن علينا أن نعترف أن هناك تأزّماً في الهوية؛ ليست هوية سهلة أن تكون عربيًا واسرائيليًا في نفس الوقت. لا شك أن هناك شكلا من أشكال التأزّم وقد تؤثّر التطورات الخارجية والداخلية علي منسوب هذا التأزّم. لكن أعتقد ان التيار السائد عند الجماهير العربية في اسرائيل أنهم لم يتخلوا عن وعيهم بقوميتهم وحقوقهم القومية، ومن أجل ألا يخسروا هذه الحقوق وهذا الانتماء قبلوا بأن يتعاملوا مع الدولة الاسرائيلية كمواطنين فيها يطالبون بالمساواة مع سائر المواطنين. إذًا، انشأوا توازنًا بين الوعي القومي ووعيهم كمواطنين. لكن هذه المعادلة لا تستقيم دائماً. هناك توتّرات تجري علي هذه المعادلة مرتبطة بمدي العنف الإسرائيلي والاضطهاد لأصحاب هذه الهوية. فالإسرائيليون لا يقدّمون ما يساعد علي إجراء استرخاء ما في مستوي التوتّر، وكذلك تطورات القضية الفلسطينية لا تسمح للمواطننين العرب بأن يرتاحوا لهذه الهوية. باعتقادي أن هذه الهوية ستبقي متوترة الي أن تُحل القضية الفلسطينية. وما لم تحل القضية الفلسطينية سيبقي التأزّم في محتوي هذه الهوية الملتبسة، وهي فعلاً ملتبسة. أنا لا أستطيع الحديث براحة عن كيف من الممكن أن يكون العربي اسرائيليًا، لان إسرائيل مشروع مضاد للهوية الوطنية الفلسطينية. هذه العملية تحتاج الي تطورات تاريخية بعيدة المدي لكي نستطيع ان نعثر علي صيغة تعريف مريحة.


هناك من يطرح إشكالية الجماهير العربية داخل إسرائيل بمعزل عن القضية الفلسطينية الأم..

(مقاطعًا) كيف؟! لا يستطيع.. كيف يتخلّي العربي في إسرائيل عن كونة فلسطينيًا؟ هذا ليس خيارًا حرًا. وكيف يتخلي الفلسطيني عن كونه عربيًا. في السنوات الستين الأخيرة نعيش حالة طوارئ؛ لا استقرار في شيء، لا في الأوضاع السياسية، ولا في تعريف الهوية. حتي الإسرائيليون لا يعرفون تحديد هويتهم، وحتي اليوم بين اليهودية والإسرائيلية ثمة توتر عال جدًا.


هل وضعهم أصعب من وضعنا؟

لا أريد القول أصعب. صعوبات القوي دائمًا فيها ترفٌ لا يتمتع به الطرف الضعيف. حتي حين تندلع نقاشات حادة بين الإسرائيليين أنفسهم عن مدي تقصيرهم وضعفهم، هزيمتهم وانتصارهم، يشعر بعض العرب السطحيين أن هذا انتصارًا عربيًا. هذا النقاش الساخن لدي الإسرائيليين هو دليل قوتهم وليس دليل ضعفهم.


في تلك الفترة كتبت وعشت في تماس نضالي ويومي مع الواقع العام بكل إشكالياته وتفاصيله وحمل أدب تلك الفترة طابعًا مميزًا وكان له دور مباشر في معركة البقاء. بنظرة إلي الوراء كيف يقيّم محمود درويش الآن ذلك الأدب؟

أعتقد ان ما سُمّي بشعر المقاومة، سمّي بالمصادفة. عندما كنا نكتب شعرًا لم نكن نعرف أننا نكتب شعر مقاومة. كنا نعبّر عن حياتنا وهمومنا وعن حبنا لبلادنا وللأشجار ولصديقاتنا وللحياة، دون أن نعرف أن هذه النصوص تسمّي شعر مقاومة. شعر المقاومة بهذا المعني احتلّ مكانةً كبيرة في الوجدان العربي الخارج من هزيمة 67. وبالتالي احتلّ مكانةً معنوية أعلي من مكانته الأدبية. وتذكرون أنني كتبتُ في وقت مبكّر، في العام 68، مقالتي الشهيرة إرحمونا من هذا الحب القاسي . كنت أشعر أن هذه موجة عابرة. موجة انتقام الذات العربية من هزيمتها باللجوء إلي أي صوت يأتي من داخل إسرائيل ليعطيها الأمل بالصمود والانتصار. وفعلا هذه الموجة عبرت بسرعة. وتعرّض الفلسطيني في ما بعد لمحاكمات مضادة؛ طُردَ من الحداثة الشعرية العربية. عندما يتكلمون عن الحداثة الشعرية العربية لا يتكلمون عن الفلسطيني، فقد تمت محاصرة الأدب الفلسطيني في نطاق البحث الاجتماعي أو الأنثروبولوجي عن أوضاع الفلسطينيين. أنا أقاوم هذا المفهوم لدي العرب ولدي بعض الفلسطينيين الذين يريدون منا أن نكتب ما كنا نكتبه منذ أربعين عامًا وأن نكرِّر ما كنا نكتبه لكي نسمّي شعراء مقاومة. أنا لا تعنيني التسمية. أنَّنا فلسطينيون فهذه بديهية، وأَنَّنا عرب هذه أيضًا بديهية، أمّا عندما يجري التأكيد عليها دائمًا في الأدب فهناك، باعتقادي، نوايا نقدية غير بريئة لإخراج هذا الأدب من التراث الأدبي العربي. لا أحب كثيرًا ان أُسمّي الشاعر القومي أو الوطني. صحيح أنا فلسطيني، وأنا فخور بذلك، لكن هذه التسمية توجِّه القارئ لقراءة مستوي ما فقط من شعري، وهو أنني أعبّر عن القضية الفلسطينية. نعم، شعري يعبّر عن القضية الفلسطينية ولكن علي النقاد أن يتعاملوا مع شعري أولا علي أنه شعر ثم يسمّي مقاومة أو غير مقاومة.. ما يشاءون. يجب أن يتم التعامل مع الشعر الذي يكتبه الفلسطينيون علي انه شعر أولا، ومن الطبيعي أن يحمل هذا الشعر البعد الوطني والقومي وكل المسائل المرتبطة بتعريف الهوية. لا يجب تقسيم الشعر. لاحظوا تعبير الأدب النسائي ، لماذا يجب أن يكون أدبًا نسائيًا؟ هو أدب فقط. لأنه عندما نحاصره في تعريف ضيّق نوجّه التركيز إلي جنس الكاتب وليس إلي إبداعه. مع ذلك، ردًا علي سؤالكم الأول، لا شك في أن أدب المقاومة قام بدور تبشيريّ وحمي الجماهير العربية في إسرائيل من تهم وطنية كثيرة كانت ستلحق بهم. لأن العالم العربي كان ينظر إلي العرب في إسرائيل نظرة سلبية، وعندما وصل هذا الشعر إلي العالم العربي تغيّرت النظرة إليهم واصبحوا يُعاملون كوطنيين ومقاومين. بهذا المعني قام أدب المقاومة بدور تاريخي لا يمكن إخفاؤه، وهو أنه غيّر أو أجري تعديلاً علي صورة العرب في إسرائيل عند أشقائنا العرب في الخارج.


لكن لاحقا كانت هناك محاولات لاستغلال كونك شاعرًا فلسطينيًا للنّيل منكَ أدبيًا..

في البداية كان كوني شاعرًا فلسطينيًا لتقديسي، فيما بعد صار ذلك للنيل مني أدبيًا.
أن يكون أدب الفلسطيني فقط عن موضوع محدد ومقروء سلفاً. قوّة الشعر الجمالية تفرض نفسها.
للأسف الشديد إنّ من يطرح هذه القضية اليوم هم فلسطينيون، حكّامي الآن هم فلسطينيون وليسوا عربا.
الذين يريدون أن يهاجموني يقولون أنني تخليت عن القضية الفلسطينية وعن شعر المقاومة.
هؤلاء فلسطينيون وليسوا عربًا، العرب قبلوا مشروعي الشعري ووضعوه في مكانة مرموقة من المشهد الشعري العربي.
لا أحد يشكك في مكانتي الشعرية في المشهد الشعري العربي العام وأكاد أقول في علاقة هذا المشهد بالمشهد الشعري العالمي.
الذين يحاكمونني يريدونني أن أكتب ما كنت أكتبه قديمًا ويريدون أن يحتكروا ما بعد الحداثة.
تستمع إلي هذه الصيغة من شعراء لا علاقة لهم بالواقع، يكتبون عن أشياء في منتهي التجريد، وعن قمصان النوم وعن ملابسهم الداخلية، ولكن يطالبون محمود درويش بأن يكتب عن القضايا الأخري.
يريدون أن يكتبوا الشعر وإبقاء الشعر الوطني السيء من اختصاصي، وشعر الحداثة وما بعد الحداثة من اختصاصهم.
هذه لعبة أولاد يجب أن يلعبوا. بعضهم يعتبرني، علي مضض أو برضي، أبًا روحيًا، أو أحد الآباء الشعريّين، ومن واجب هذا الولد أن يقتل أباه، مجازيًا وأدبيًا، كي ينمو، لكن عليه أن يقتل أباه بأدوات إبداعية وليس بالتشهير والشتم والتخوين.
هذا للأسف ما يسود حياتنا الثقافية الفلسطينية. نحن أكثر ناس نكره أنفسنا ونكره بعضنا بعضا.



من أين ينبع ذلك برأيك؟

الفلسطيني محاصر وهذا الحصار والاختناق في المكان يخلق طاقة عنف يفجّرها في وجه أقرب الناس إليه، في وجه أخيه أو جاره..


لنحدّد التوصيف الذي قدمته.. كانت تسمية أدب المقاومة وتحديد ملامحها كأنها فُرضت فرضًا في البداية ولاحقًا تم نفي ما فُرض من مشروع الشعر العربي، هل هذا ما حدث؟


في مراحل معينة. أدب المقاومة لا ينتهي لكن تجري تعديلات علي التعريف.
أعتقد أن كل أدب جميل، كل أدب مرتبط بالدفاع عن حرية الإنسان في التأمّـل وفي الحياة والحرية هو أدب مقاومة.
يجب ان لا نحصر أدب المقاومة ككلام عنيف ضد فعل عنيف.
برأيي التأمّل في أزهار الربيع والتعلّق بالحياة، حتي شعر الحب يعطي طاقة لمقاومة البشاعة، ومقاومة نقيض انسجام الحياة مع جمالها.
بهذا المعني أوسّع مفهوم المقاومة ليشمل كل أدب راقٍ وجميل. كل قصيدة جميلة تغيّر في نظرتك إلي الحياة بصورة أكثر إيجابية وأكثر ألفة هي أدب مقاومة.
وكل أدب نقيض هذه الحروب وهذه الاحتلالات والعدوان يعتبر أدب مقاومة.
لكن كيف يعبّر أدب المقاومة عن نفسه، ليس باستخدام وسائل العنف والحرب بل باستخدام أدوات نقيضة لها، الدفاع عن الجمال وعن الحرية وعن بساطة الأشياء.



أنتَ عمليّا تعمّق مفهوم المقاومة وتنقله من ساحة المعركة..

حتي المعارك إذا كانت عظيمة تدخل، لكن بطريقة خاصة.
السؤال ليس كيف نقاوم بالشعر. الشعر يحاكَم أو يُحاسب ليس بما يقول فقط بل بالكيفيّة التخييليّة لهذا القول، أي يُعرّف بطبيعته الشعرية وليس بموضوعه الشعري.
علي الشاعر أن يتقن مهنته الشعرية، وواجب الشاعر ان يكون وفيّاً لمسألتين: لمهنيته الشعرية، اي لخلق الجماليات وتطويرها، ولارتباطه بالواقع والدفاع عن حريته وحرية شعبه.



عمليّا، مراجعة أدب تلك الفترة هي فنّية وجمالية بالاساس أكثر مما هي سياسية فكرية..

إذا قلنا إن فلانًا رسام، فيجب أن يتقن مهنة الرسم أولا ثم نقول هذا رسام كذا وكذا.. كذلك الشاعر.
اذا كنت سأقوم بكل واجباتي الوطنية والاجتماعية بشعر رديء، هل أسمّي هذا شعر مقاومة؟ هذا الشعر يسيء للمقاومة، يسيء لصورة الإنسان الفلسطيني.
الشعر الفلسطيني الرديء يسيء الي صورة الفلسطينيين. الشعر الجميل هو الذي يخدم القضية اللفلسطينية.
التسلـّـق علي القضية الفلسطينية للتحرّر من أي ضرورات أو شروط جمالية فنية لا يخدم القضية الفلسطينية.
بالعكس، عازف البيانو الرائع إذا كان فلسطينيًا يخدم القضية. وإذا كان عندنا راقصة باليه فلسطينية ممتازة فهي تخدم القضية.
أو رسام يتقن رسم الفن التجريدي لكن يقال أن هذا فلسطيني دون أن يُحمِّـل فنه مقولات زائدة عن متطلّبات الفن.
وهذا لا يتعارض طبعًا مع التزامه بقضية شعبه.
كأننا نقسّم الأمور إلي قسمين: الجميل ليس فلسطينيًا، والقبيح هو الفلسطيني.
هل هناك أذي يلحق بنا أكثر من هذا التقسيم؟



هل كانت المباشرة تنازلا جماليًا او نوعًا من ضريبة تاريخية أمام قضايا الناس المصيرية؟ واستكمالا، ما زالت القضايا المصيرية هي ذاتها بل تتبدّي اليوم في كثير من تفاصيلها أخطر وأشدّ إلحاحا من قبل، مع ذلك لم يعد للشعر والأدب عمومًا ذلك الدور الذي اضطلع به آنذاك، كيف تري إلي هذا التبدّل وأين تكمن أسبابه باعتقادك؟

عندما نتكلـّـم عن دور الشعر، نتكلـّـم كلامًا افتراضيًا.
ولا مرّة نستطيع تحديد هذا الدور بالضبط، أو كيف يتجلي.
هناك طبعًا مقولات جاهزة عن دور الشعر، عليه أن يكون كذا وكذا.. لكن دون أن نختبر إلي أيّ مدي تحقّق هذا الدور.
نحن نقرأ لبعضنا البعض ونعتقد أن المجتمع كله معنا.
الشعر دائمًا كان له دور ثانوي لأنه دائمًا، للأسف الشديد، يخصّ النخبة.
النخبة ليس بمعناها الضيق لكن بمعناها الواسع.
من يقرأ الشعر؟ يقرأ الشعر من هو قادر علي القراءة، ومن عنده إمكانيات ثقافية لفهم الشعر، ومن يحب الشعر.
إذن، دائمًا كان للشعر قرّاء خاصّون. والشاعر يسعي إلي تكبير مساحة هؤلاء الخاصين، ليصل إلي جمهور أكبر.
أما القول إن الشعر كالخبز وكالهواء فهو حلم، حلم أقرب الي الوهم.. يا ريت، لكن ليس ثمة فن هو كالخبز والهواء.

مديحُ الظِّل العالي

2007-06-21

يطير الحمام