Showing posts with label حوار. Show all posts
Showing posts with label حوار. Show all posts

2007-07-24

حوار معه عن صحيفة الاتحاد الحيفاوية

بأي شعور استقبلت دعوة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ومجلة مشارف لأمسية شعرية في حيفا، وبأي شعور تتوجه الي الامسية والي حيفا؟

من الصعب عليّ ان أحدّد شعوري منذ الآن عندما سأواجه أبناء شعبي في مكان يحتلّ مكانة خاصة في شعري وفي ذكرياتي، وهو مدينة حيفا. من الطبيعي أن يكون الشعور الأول الذي أحمله الآن هو شعور باللهفة، وشعور بالخشية أيضًا، تمتزج الخشية باللهفة لأن الزمن الذي فصلنا عن بعض زمن طويل، كبرتُ فيه بطريقة ما، وأبناء جيلي كبروا بطريقة ما، ونمت أجيال جديدة لم يحصل من قبل احتكاك بحساسيتها الشعرية. لذلك أنا ذاهب إلي ما يشبه المجهول الجميل. كيفَ سيكون اللقاء؟ كيف سيكون التعامل مع شعري الجديد الذي أحرص دائمًا علي ان اقرأ منه ولا أكتفي بما تطالبني به ذاكرة قرّائي؟ أشعر كأني سأقرأ للمرة الأولي، وأني سأدخل امتحانًا عليّ أن أبذل كثيرا من الاستعداد لعبوره بنجاح. أرجو أن تكون المسافة الجغرافية بيني وبين قرّاء الشعر الذين سألتقيهم في حيفا مسافةً وهمية، وان يكون التطابق كاملا بين ما أحسّ به وما يحسّون به، وبين حساسيتي الشعرية وحساسيتهم الشعرية.

هناك وجوه وأمكنة لا بد وأنها راودتك حين تلقيت دعوة المشاركة، خصوصا أنك تقرأ في حيفا للمرة الاولي منذ قرابة أربعة عقود. هل خطرت لك لحظات معينة أو فكرت بأشخاص معينين حين تأكد لك حضورك الي حيفا؟

من المؤكد أن المكان، الذي هو حيفا، هو ليس جغرافيا فقط. إنما هو أيضًا وجوه وشخصيات وذاكرة. أتلهّف لـلّـقـاء بما تخزّنه ذاكرتي وبما سوف يفاجئني المكان به. لقد عشتُ في حيفا عشر سنوات كاملة، وفي حيفا عرفت كل أنواع التجارب الأولي: تحربة الكتابة، تجربة النشر، تجربة العمل الصحافي، تجربة السجن، الاعتقال المنزلي والإقامة الجبرية.. في حيفا ترعرعت شخصيتي الشعرية والثقافية والسياسيّة أيضًا. وبالتالي أستطيع ان أعتبر أن اكثر مكان موجود في نصّي الشعري وفي تكويني الثقافي هو حيفا، بدون شك. صحيح أنني لم أولد في حيفا، وحيفا ليست مدينتي، لكنها مدينتي بالتبني؛ تبنيتُ حيفا مثلما احتضنتني هي كواحد من أبنائها..
وجوه معينة..
علّمتُ نفسي ألا ارسم الوجوه مسبقا لأن الزمن فعل فعله ويسبب دائمًا خيبة أمل. لن أعرف الوجوه كما كانت مرسومة في ذاكرتي. أربعون عامًا تجري تعديلا جذريًا ليس علي وجوه البشر فحسب، أنما علي وجوه الصخر ايضًا.

ووجوه من غابوا، بأي مكان وأية ملامح تتذكرهم؟

أنا عملت في جريدة الاتحاد . وللأسف الشديد، كل الذين عملت معهم في الاتحاد قد رحلوا: إميل توما وإميل حبيبي، صليبا خميس، محمد خاص، عصام العباسي وعلي عاشور. لم يبق من هم أحياء سوي توفيق طوبي الذي أتمني له عمرًا مديدًا. ما زلت أذكر المكان: كان مبني الجريدة عبارة عن غرفتين فقط امامهما ساحة في شارع ماريوحنا. الذين عملت معهم وتعلمت منهم كثيرا غابوا جميعًا، للأسف الشديد.
لقد سُمّيَ الشارع نفسه لاحقا علي اسم حنا نقارة، محامي الأرض والشعب...

نحن أيضًا كنا نجاور منزل المرحوم حنا نقارة وكان يعطف علينا كثيرا..

ثمة مرويّات عديدة عن علاقتكم الوطيدة بأبي طوني (حنا نقارة) أنتم الكتاب والصحافيون الشباب في ذلك الوقت..
أبو طوني كان راعيًا لمجموعة من يعملون في الاتحاد ، وأوسع من ذلك. كان هو مضيفنا الدائم وكان شخصية محبوبة جدًا ومناضلا حقيقيا أذكره بكل الخير. للأسف عندما نتكلم عن أسماء ووجوه أشعر بالأسي لأني لن أجدها ثانية ولن أراها إلا في ذاكرتي. أصبح المكان ناقصًا كثيرًا، سأشعر أن حيفا ناقصة.

يشغل المكان حيّزًا أساسيًا ومهمًا في معمارك الشعريّ. أيّ خصوصية يكتسب المكان، كمفهوم وكواقع، حين نتحدّث عن حيفا؟ يبدو وكأن حيفا بقيت رغم البعد والوقت مدينتك المحلومة، وكأنّ جزءًا من ولعكَ ببيروت بالشكل الذي تبدّي في شعرك عائد إلي شبهها بحيفا؟

صحيح. صحيح. هناك شبه ما بين جغرافية وطوبوغرافية بيروت وحيفا. كلتاهما مدينتان علي البحر، علي نفس البحر، المتوسط. ولكن جبل الكرمل أكثر قربًا من البحر من جبل بيروت. المكان تحوّل الي كل صراعنا، صراعنا الوطني هو حول المكان وحول امتلاك المكان. الشاعر يسعي لامتلاك المكان من خلال تثبيته في اللغة، وفي شعري كثير من هذا الجهد مهما تغيّر المكان، فهو دائما ما يتعرض لتغييرات كي تتطابق الاسطورة والخرافة مع الواقع. الجرّافات تقوم بعملية تطويع المكان لمتطلبات الأسطورة. ولكن في ذاكرتنا المكان هو نفسه لا يتغيّر. وقد يفاجئنا انه تغيّر ولكن في الذاكرة التي رسمت الشكل النهائي له، يبقي المكان في مكانه حتي لو تمت محاولة نقله بالشاحنات وإجراء تعديلات عليه ليلائم متطلبات الخرافة.

هل تتغيّر خصوصية المكان ومعناه بين حيفا ورام الله، أو بين البروة ورام الله؟ البروة كمكان مفهومي من حيث التجربة المعاشة أكثر بينما رام الله التجربة بكل حدّتها وتفصيلاتها؟

البروة ليست مكانًا مفهوميًا او مجازيًا. هي المكان الذي وُلدت فيه ومنه نشأت طفولتي. هو اللوح الأول الذي تعلمت عليه كتابة الأبجدية، وبالتالي لا يمكن أن يصبح مفهوميًا او مجازيًا لشدّة ما هو قوي في الطفولة. أنت لا تستطيع ان تجري تعديلات علي الطفولة، تعديلات معطي ثابت لا يتحرّك، مُحمّلٌ بجماليات قد لا تكون مهمّة، لكنه متشكّلٌ بشكل شبه نهائي، وبصمَته علي اللغة وعلي السلوك وعلي الذاكرة بصمة الحفر أو الوشم. وبالتالي لا أستطيع القول إنه متخيّل حتي لو أبيد وأصبح اطلالاً. في البروة حتي الاطلال جري دفنها ببنايات أقيمت عليها. لكن عملي كشاعر هو الاستمرار بحفريات أركيولوجية وجمالية للاحتفاظ بهذا المكان في نصّي الشعري. هنا ندخل في اشكالية جمالية؛ أين يكون المكان أقوي، في اللغة الشعرية أم في الجغرافيا؟ أعتقد أننا حين نزور مكانًا ما، لأول مرة، ونكون قد قرأنا عنه نبحث عنه من خلال القراءة وليس العكس. أي أن القراءة هي دليلنا، السياحي حتي، إلي المكان. ونبحث هل ثمة تطابق بين الصورة التي كوّناها من خلال الأدب عن المكان، وبين المكان نفسه. دائمًا ننحاز أكثر إلي صورة المكان كما صوّره النصّ الأدبي.

لماذا؟

هذه قوّة الأدب، قوّة الأدب ومكرُه. حين تقرأ الأدب اليوناني مثلا، والتراجيديا الإغريقية مليئة بذكر الأمكنة، وعندما لا تجد المكان كما صوّرته التراجيديا الإغريقية فإنك تنحاز إلي صورته في الأدب. والأمر صحيح بالنسبة لوضعنا الحالي، الإسرائيليون يقرأون المكان من خلال وصفه التوراتي ويُجرون تعديلات ليتطابق مع وصفه التوراتيّ. لكي تبقي الضفة الغربية علي سبيل المثال كتابة توراتية. وهذا جزء من صراعنا الثقافي حول من يمتلك المكان، هل الذي كتبه أم الذي احتلّه؟ لو كان الصراع علي المكان صراعًا ادبيًا لكانت الحياة أقل بؤسًا، ولكن بيننا وبين الإسرائيليين صراع حول كتابة المكان. من يكتب المكان أولاً؟ إن من يكتب المكان بشكل أفضل يشعر أنه يملك الحق في المكان أكثر من غيره. لكن هل الذين لم يكتبوا لا حقّ لهم في المكان؟ وهل الذين لا نصّ أدبي لهم لا حقّ لهم في المكان؟ هل الأغبياء لا حقّ لهم في الوجود؟ هذا سؤال فلسفي.. جوابي هو طبعًا لا. الحق للجميع، للأغبياء والأذكياء، للأقوياء والضعفاء. لمن يمتلكون ماضيًا أبعد ولمن يمتلكون ماضيًا أقرب. أحد أشكال مشكلتنا الثقافية هو أننا، لكي نبزّ اليهود في أسبقيّة وجودنا علي هذه الأرض، لجأنا إلي أسطورتنا الكنعانية لكي نقول أننا كنا هنا قبل الآخرين. لكن ماذا لو لم نكن كنعانيين، ألا يحق لنا أن نكون مواطنين؟ ألا يحق لنا ان نكون أصحاب هذه الأرض؟
هذا الصراع حول الميثولوجيا جميل في الأدب، لكن حين نطبقه علي السياسة يصبح عبئًا ثقيلا.


ورام الله؟

رام الله بالنسبة لي مكان للزيارة. مكان للمشاركة في صَوْغ الهوية الوطنية. أمّا بالنسبة لي شخصيًا فلا معني خاص لها. لم أعرفها من قبل وليست لي فيها ذاكرة وليس لي فيها تاريخ. تعرّفت عليها منذ عشر سنوات فقط. وفي مثل هذا العمر لا أستطيع أن أبدع ذكريات وعلاقات حميمة مع المكان. أنا الآن في سن أصبحتْ فيه الأمكنة بالنسبة لي تقريبًا متشابهة. أشعر أنّ الوقت يداهمني وعليّ أن أنجز عملي، وعملي قد يتم في أية غرفة أسكنها في هذا العالم. لكن انتمائي لرام الله هو جزء من مشروعي الوطني وليس جزءًا من تكويني الشخصي الحميمي.


شكّلَ المنفي، فعليًا ورمزيًا، إحدي الثيمات الأساسية في عملك الشعريّ. ماذا تعني لك العودة ، إذا كان ثمة عودة، وأين تري مكانك الخاص الذي ترغب في العودة إليه؟

بعيدًا عن السياسة، لا أحد يعود إلي شيء. ليست هناك عودة، لا إلي الزمان، ولا إلي المكان المتخيّل. حتيّ عودة أوذيسيوس الي إيثاكا انتهت بخيبة أمل بعد لقائه بينلوب. لأن الزمن فرّق في مستوي شعورهما تجاه بعض. هناك ثنائية البيت والطريق وهي أيضًا سؤال وجودي مطروح دائما في الأدب، وهو سؤال جميل. أيّهما افضل؛ الطريق أم الوصول، البيت أم الطريق؟ المنفي يحمل عدة مستويات وأبعاد من التعريف. ثمة المنفي الوجودي والمنفي الميتافيزيقي، الجغرافي، والمنفي السياسي.. وهو أحد مشتقّات الاغتراب الذي هو ثيمة أساسية في الأدب العالمي تشير إلي اغتراب الإنسان عن أشياء كثيرة؛ اغترابه عن نفسه، وعن مجتمعه، اغترابه عن محاولة التشييء، تشييء الذات. وأرض البشر كلها يمكن أن تكون بهذا المعني منفًي ميتافيزيقيًا، فالأرض كلها عقوبة إلهية لارتكاب آدم وحواء مخالفة إلهية، وإرسالهم إلي الأرض كمنفي، الأرض كمنفي عن الجنة. التاريخ بدأ بوصول آدم إلي الأرض. أعجبني مرة قول أحد الفلاسفة أنه لولا قصة الحب بين حواء وآدم لما كان هناك تاريخ، ولكـُنا تخلّـصنا من التاريخ لأن التاريخ بدأ من هذه العقوبة. أنا المنفي يتلـبّسني، حتي عندما كنت أعيش في حيفا كنت منفيًا. فما معني أن تكون سجينًا، ما معني أن تكون لاجئًا في بلادك؟ هذا أيضا شكل من أشكال النفي والإقصاء. كما أقول دائمًا، عندما كنت في المنفي الخارجي كنت دائمًا ممتلئًا بالوطن، وعندما عدت، مجازًا، إلي الوطن حافظت علي المنفي أيضًا. المنفي موجود في الوطن وخارجه، والوطن موجود في الوطن وخارجه. وثنائية الوطن والمنفي موجودة في كل واحد فينا علي درجة أو أخري من القسوة أو الألم. قد يكون المنفي أليفًا، وقد يكون الوطن وحشياً. أنا طبعا لا أدافع عن المنفي ولكن أشرح، ردًا علي سؤالكم، علاقتي الملتبسة بالمنفي. الاحتلال يسبب لي احساساً بالمنفي. الاضطهاد يسبب لي إحساسًا بالمنفي. الفقر يسبّب لي إحساسًا بالمنفي. فالمنفي عدة حالات وتجليات لا حصر لها. والأدب يستطيع طبعًا أن ينمو في المنفي، وهناك أدباء عظماء في التاريخ أبدعوا إبداعاتهم الكبري في المنفي. جيمس جويس مثلا اختار المنفي ليكتب رائعته عوليس . والأنبياء أيضًا عاشوا في المنافي، كل الأنبياء.


سكنتَ لسنوات طويلة، لعقد كامل من الزمن، في شارع عباس ، وقضيت 3 سنوات تحت الإقامة الجبرية في بيتك ذاك، كيف تتذكّر اليوم مكانك الخاص بعد مضيّ كل هذا الوقت، خصوصًا مع التباس حميمية البيت بفقدان حريتكَ فيه. كان بيتك وسجنك في الوقت نفسه؟

السجن ايضا له عدة أشكال. قد يصبح البيت سجناً، وقد يكون أحيانا في زنزانة، في سجن حقيقي، أفق أوسع من أن تكون في سهل مفتوح. السجن كثافة. أنتَ تجلس فيه مع نفسك ولا تستطيع أن تقاوم هذه العزلة القسرية في مساحة جغرافية ضيّقة إلا بتفتيح الخيال علي عالم مُتخيّل وأوسع وأجمل وأبعد. قد يكون أحيانا ضيق المكان مناسبة لفتح سعة الأفق علي مداه. لكن عندما يصبح البيت سجنًا تضيق المساحة. السّعة في السجن الحقيقي أكبر من مساحة الحرية في البيت عندما يتحوّل الي سجن.لأنك عندها تشعر بثلاثة أشياء، بالغيظ، وبنوع من التعسّف، وبالقسوة. وتعاني من حق الشرطة في تلك الحالة أن تدخل عليك في أي وقت تشاء لتتاكد من وجودك. فأن تكون مسجونا غير مسمّي سجيناً، هذا يترك شعورا أقسي بكثير من أن تكون سجينًا وتشعر أنك حرٌ. عندما تكون سجيناً في البيت تتمتع بحرية ما نسبيّة، أنت لست سجيناً وليس معترف بك كسجين.بينما في السجن معترف بك كسجين وتتعامل مع نفسك كسجين وتطوّر تأملاتِ وتطلّعات الي حريّة مُتخيّلة انطلاقا من ذلك.


كتبتَ الي الاتحاد في عيدها الستين لم تكن الاتحاد جريدة إخبارية بقدر ما كانت ورشة عمل لاجتراح الأمل للخارجين من ليل النكبة وأضفت هناك تعلمت طريقة الاهتداء الي ذاتي والي علاقتها بالجماعة . كيف تري الي الدور الذي لعبته هذه الصحيفة في الحفاظ علي وصقل الهوية الوطنية للبقية الباقية من الشعب الفلسطيني؟

"الاتحاد"لا تحتاج الي مديح في هذا الشأن، فدورها في حماية وفي الدفاع عن الهوية الثقافية والوطنية للجماهير العربية في اسرائيل دور معترف به ومعروف. وقد خرّجت تقريبًا، مما تعنيه الاتحاد ، هذا الإطار الواسع، كل الكتاب والشعراء الحقيقيين في الداخل. ما عدا أسماء قليلة احتلّت مكانة أدبية خارج هذا الإطار. لكن التيار الأساسي في الأدب الفلسطيني في الداخل نشأ من خلال جريدة الاتحاد ، التي استطاعت إيجاد نواة توازن أو حلاً ما في التأزّم والتوتّر القائم بين الهويّة والجنسيّة، ورجّحت سؤال البقاء علي سؤال مدّ التوتّر الي حدوده القصوي، لأن سؤال البقاء في الوطن والدفاع عن الحقوق المدنية والسياسية كان مرجّحاً علي سؤال كيف أكون عربيا وإسرائيليا، وهو سؤال صعب: كيف يكون العربي إسرائيليًا؟ إستطاعت الاتحاد أن تدافع عن الحقوق القومية للجماهير العربية في اسرائيل بوصفهم جزءًا من الشعب العربي الفلسطيني، وأن تطرح حلا للقضية الفلسطينية يقوم علي أساس الاعتراف بحق العودة للاجئين الفلسطينيين والاعتراف بالحقيقة التاريخية التي نشأت علي هذه الأرض وهي وجود شعبين. وبالتالي كانت سبّاقة لحل المسألة القومية حلاً معقولاً مع الدفاع عن الحقوق المدنية واليومية للمواطنين العرب. وأنشأت جبهة تحالف بين القوي الديمقراطية اليهودية والعربية، وبالتالي هذا الدور الذي قامت به الاتحاد وحزبها ما زال صالحا حتي اليوم.

فيما يتعلق بالهوية، من خلال إطلالتك أو متابعتك لهذا الجزء من الشعب الفلسطيني،فلسطينيي الداخل، هل لاحظت علي مدي العقود الأربعة الاخيرة كأن هناك تغيّرات في منسوب الهويّة، تحولات في الهويّة، الوطنية الجامعة، أم أن المسألة أن هناك ثوابت أساسية موجودة ولا تحتمل تحوّلات.

ثمة مدارس أكاديمية تدّعي أن هناك تحوّلات تطرأ علي هذه الهوية، وهناك عرب فلسطينيون يوافقون علي هذا الطرح.

أنا غير مُخوّل ولا مؤهّل لابداء رأيي في هذه التحوّلات لأني خارج موقع الشهادة المباشرة منذ مدّة طويلة. لكن علينا أن نعترف أن هناك تأزّماً في الهوية؛ ليست هوية سهلة أن تكون عربيًا واسرائيليًا في نفس الوقت. لا شك أن هناك شكلا من أشكال التأزّم وقد تؤثّر التطورات الخارجية والداخلية علي منسوب هذا التأزّم. لكن أعتقد ان التيار السائد عند الجماهير العربية في اسرائيل أنهم لم يتخلوا عن وعيهم بقوميتهم وحقوقهم القومية، ومن أجل ألا يخسروا هذه الحقوق وهذا الانتماء قبلوا بأن يتعاملوا مع الدولة الاسرائيلية كمواطنين فيها يطالبون بالمساواة مع سائر المواطنين. إذًا، انشأوا توازنًا بين الوعي القومي ووعيهم كمواطنين. لكن هذه المعادلة لا تستقيم دائماً. هناك توتّرات تجري علي هذه المعادلة مرتبطة بمدي العنف الإسرائيلي والاضطهاد لأصحاب هذه الهوية. فالإسرائيليون لا يقدّمون ما يساعد علي إجراء استرخاء ما في مستوي التوتّر، وكذلك تطورات القضية الفلسطينية لا تسمح للمواطننين العرب بأن يرتاحوا لهذه الهوية. باعتقادي أن هذه الهوية ستبقي متوترة الي أن تُحل القضية الفلسطينية. وما لم تحل القضية الفلسطينية سيبقي التأزّم في محتوي هذه الهوية الملتبسة، وهي فعلاً ملتبسة. أنا لا أستطيع الحديث براحة عن كيف من الممكن أن يكون العربي اسرائيليًا، لان إسرائيل مشروع مضاد للهوية الوطنية الفلسطينية. هذه العملية تحتاج الي تطورات تاريخية بعيدة المدي لكي نستطيع ان نعثر علي صيغة تعريف مريحة.


هناك من يطرح إشكالية الجماهير العربية داخل إسرائيل بمعزل عن القضية الفلسطينية الأم..

(مقاطعًا) كيف؟! لا يستطيع.. كيف يتخلّي العربي في إسرائيل عن كونة فلسطينيًا؟ هذا ليس خيارًا حرًا. وكيف يتخلي الفلسطيني عن كونه عربيًا. في السنوات الستين الأخيرة نعيش حالة طوارئ؛ لا استقرار في شيء، لا في الأوضاع السياسية، ولا في تعريف الهوية. حتي الإسرائيليون لا يعرفون تحديد هويتهم، وحتي اليوم بين اليهودية والإسرائيلية ثمة توتر عال جدًا.


هل وضعهم أصعب من وضعنا؟

لا أريد القول أصعب. صعوبات القوي دائمًا فيها ترفٌ لا يتمتع به الطرف الضعيف. حتي حين تندلع نقاشات حادة بين الإسرائيليين أنفسهم عن مدي تقصيرهم وضعفهم، هزيمتهم وانتصارهم، يشعر بعض العرب السطحيين أن هذا انتصارًا عربيًا. هذا النقاش الساخن لدي الإسرائيليين هو دليل قوتهم وليس دليل ضعفهم.


في تلك الفترة كتبت وعشت في تماس نضالي ويومي مع الواقع العام بكل إشكالياته وتفاصيله وحمل أدب تلك الفترة طابعًا مميزًا وكان له دور مباشر في معركة البقاء. بنظرة إلي الوراء كيف يقيّم محمود درويش الآن ذلك الأدب؟

أعتقد ان ما سُمّي بشعر المقاومة، سمّي بالمصادفة. عندما كنا نكتب شعرًا لم نكن نعرف أننا نكتب شعر مقاومة. كنا نعبّر عن حياتنا وهمومنا وعن حبنا لبلادنا وللأشجار ولصديقاتنا وللحياة، دون أن نعرف أن هذه النصوص تسمّي شعر مقاومة. شعر المقاومة بهذا المعني احتلّ مكانةً كبيرة في الوجدان العربي الخارج من هزيمة 67. وبالتالي احتلّ مكانةً معنوية أعلي من مكانته الأدبية. وتذكرون أنني كتبتُ في وقت مبكّر، في العام 68، مقالتي الشهيرة إرحمونا من هذا الحب القاسي . كنت أشعر أن هذه موجة عابرة. موجة انتقام الذات العربية من هزيمتها باللجوء إلي أي صوت يأتي من داخل إسرائيل ليعطيها الأمل بالصمود والانتصار. وفعلا هذه الموجة عبرت بسرعة. وتعرّض الفلسطيني في ما بعد لمحاكمات مضادة؛ طُردَ من الحداثة الشعرية العربية. عندما يتكلمون عن الحداثة الشعرية العربية لا يتكلمون عن الفلسطيني، فقد تمت محاصرة الأدب الفلسطيني في نطاق البحث الاجتماعي أو الأنثروبولوجي عن أوضاع الفلسطينيين. أنا أقاوم هذا المفهوم لدي العرب ولدي بعض الفلسطينيين الذين يريدون منا أن نكتب ما كنا نكتبه منذ أربعين عامًا وأن نكرِّر ما كنا نكتبه لكي نسمّي شعراء مقاومة. أنا لا تعنيني التسمية. أنَّنا فلسطينيون فهذه بديهية، وأَنَّنا عرب هذه أيضًا بديهية، أمّا عندما يجري التأكيد عليها دائمًا في الأدب فهناك، باعتقادي، نوايا نقدية غير بريئة لإخراج هذا الأدب من التراث الأدبي العربي. لا أحب كثيرًا ان أُسمّي الشاعر القومي أو الوطني. صحيح أنا فلسطيني، وأنا فخور بذلك، لكن هذه التسمية توجِّه القارئ لقراءة مستوي ما فقط من شعري، وهو أنني أعبّر عن القضية الفلسطينية. نعم، شعري يعبّر عن القضية الفلسطينية ولكن علي النقاد أن يتعاملوا مع شعري أولا علي أنه شعر ثم يسمّي مقاومة أو غير مقاومة.. ما يشاءون. يجب أن يتم التعامل مع الشعر الذي يكتبه الفلسطينيون علي انه شعر أولا، ومن الطبيعي أن يحمل هذا الشعر البعد الوطني والقومي وكل المسائل المرتبطة بتعريف الهوية. لا يجب تقسيم الشعر. لاحظوا تعبير الأدب النسائي ، لماذا يجب أن يكون أدبًا نسائيًا؟ هو أدب فقط. لأنه عندما نحاصره في تعريف ضيّق نوجّه التركيز إلي جنس الكاتب وليس إلي إبداعه. مع ذلك، ردًا علي سؤالكم الأول، لا شك في أن أدب المقاومة قام بدور تبشيريّ وحمي الجماهير العربية في إسرائيل من تهم وطنية كثيرة كانت ستلحق بهم. لأن العالم العربي كان ينظر إلي العرب في إسرائيل نظرة سلبية، وعندما وصل هذا الشعر إلي العالم العربي تغيّرت النظرة إليهم واصبحوا يُعاملون كوطنيين ومقاومين. بهذا المعني قام أدب المقاومة بدور تاريخي لا يمكن إخفاؤه، وهو أنه غيّر أو أجري تعديلاً علي صورة العرب في إسرائيل عند أشقائنا العرب في الخارج.


لكن لاحقا كانت هناك محاولات لاستغلال كونك شاعرًا فلسطينيًا للنّيل منكَ أدبيًا..

في البداية كان كوني شاعرًا فلسطينيًا لتقديسي، فيما بعد صار ذلك للنيل مني أدبيًا.
أن يكون أدب الفلسطيني فقط عن موضوع محدد ومقروء سلفاً. قوّة الشعر الجمالية تفرض نفسها.
للأسف الشديد إنّ من يطرح هذه القضية اليوم هم فلسطينيون، حكّامي الآن هم فلسطينيون وليسوا عربا.
الذين يريدون أن يهاجموني يقولون أنني تخليت عن القضية الفلسطينية وعن شعر المقاومة.
هؤلاء فلسطينيون وليسوا عربًا، العرب قبلوا مشروعي الشعري ووضعوه في مكانة مرموقة من المشهد الشعري العربي.
لا أحد يشكك في مكانتي الشعرية في المشهد الشعري العربي العام وأكاد أقول في علاقة هذا المشهد بالمشهد الشعري العالمي.
الذين يحاكمونني يريدونني أن أكتب ما كنت أكتبه قديمًا ويريدون أن يحتكروا ما بعد الحداثة.
تستمع إلي هذه الصيغة من شعراء لا علاقة لهم بالواقع، يكتبون عن أشياء في منتهي التجريد، وعن قمصان النوم وعن ملابسهم الداخلية، ولكن يطالبون محمود درويش بأن يكتب عن القضايا الأخري.
يريدون أن يكتبوا الشعر وإبقاء الشعر الوطني السيء من اختصاصي، وشعر الحداثة وما بعد الحداثة من اختصاصهم.
هذه لعبة أولاد يجب أن يلعبوا. بعضهم يعتبرني، علي مضض أو برضي، أبًا روحيًا، أو أحد الآباء الشعريّين، ومن واجب هذا الولد أن يقتل أباه، مجازيًا وأدبيًا، كي ينمو، لكن عليه أن يقتل أباه بأدوات إبداعية وليس بالتشهير والشتم والتخوين.
هذا للأسف ما يسود حياتنا الثقافية الفلسطينية. نحن أكثر ناس نكره أنفسنا ونكره بعضنا بعضا.



من أين ينبع ذلك برأيك؟

الفلسطيني محاصر وهذا الحصار والاختناق في المكان يخلق طاقة عنف يفجّرها في وجه أقرب الناس إليه، في وجه أخيه أو جاره..


لنحدّد التوصيف الذي قدمته.. كانت تسمية أدب المقاومة وتحديد ملامحها كأنها فُرضت فرضًا في البداية ولاحقًا تم نفي ما فُرض من مشروع الشعر العربي، هل هذا ما حدث؟


في مراحل معينة. أدب المقاومة لا ينتهي لكن تجري تعديلات علي التعريف.
أعتقد أن كل أدب جميل، كل أدب مرتبط بالدفاع عن حرية الإنسان في التأمّـل وفي الحياة والحرية هو أدب مقاومة.
يجب ان لا نحصر أدب المقاومة ككلام عنيف ضد فعل عنيف.
برأيي التأمّل في أزهار الربيع والتعلّق بالحياة، حتي شعر الحب يعطي طاقة لمقاومة البشاعة، ومقاومة نقيض انسجام الحياة مع جمالها.
بهذا المعني أوسّع مفهوم المقاومة ليشمل كل أدب راقٍ وجميل. كل قصيدة جميلة تغيّر في نظرتك إلي الحياة بصورة أكثر إيجابية وأكثر ألفة هي أدب مقاومة.
وكل أدب نقيض هذه الحروب وهذه الاحتلالات والعدوان يعتبر أدب مقاومة.
لكن كيف يعبّر أدب المقاومة عن نفسه، ليس باستخدام وسائل العنف والحرب بل باستخدام أدوات نقيضة لها، الدفاع عن الجمال وعن الحرية وعن بساطة الأشياء.



أنتَ عمليّا تعمّق مفهوم المقاومة وتنقله من ساحة المعركة..

حتي المعارك إذا كانت عظيمة تدخل، لكن بطريقة خاصة.
السؤال ليس كيف نقاوم بالشعر. الشعر يحاكَم أو يُحاسب ليس بما يقول فقط بل بالكيفيّة التخييليّة لهذا القول، أي يُعرّف بطبيعته الشعرية وليس بموضوعه الشعري.
علي الشاعر أن يتقن مهنته الشعرية، وواجب الشاعر ان يكون وفيّاً لمسألتين: لمهنيته الشعرية، اي لخلق الجماليات وتطويرها، ولارتباطه بالواقع والدفاع عن حريته وحرية شعبه.



عمليّا، مراجعة أدب تلك الفترة هي فنّية وجمالية بالاساس أكثر مما هي سياسية فكرية..

إذا قلنا إن فلانًا رسام، فيجب أن يتقن مهنة الرسم أولا ثم نقول هذا رسام كذا وكذا.. كذلك الشاعر.
اذا كنت سأقوم بكل واجباتي الوطنية والاجتماعية بشعر رديء، هل أسمّي هذا شعر مقاومة؟ هذا الشعر يسيء للمقاومة، يسيء لصورة الإنسان الفلسطيني.
الشعر الفلسطيني الرديء يسيء الي صورة الفلسطينيين. الشعر الجميل هو الذي يخدم القضية اللفلسطينية.
التسلـّـق علي القضية الفلسطينية للتحرّر من أي ضرورات أو شروط جمالية فنية لا يخدم القضية الفلسطينية.
بالعكس، عازف البيانو الرائع إذا كان فلسطينيًا يخدم القضية. وإذا كان عندنا راقصة باليه فلسطينية ممتازة فهي تخدم القضية.
أو رسام يتقن رسم الفن التجريدي لكن يقال أن هذا فلسطيني دون أن يُحمِّـل فنه مقولات زائدة عن متطلّبات الفن.
وهذا لا يتعارض طبعًا مع التزامه بقضية شعبه.
كأننا نقسّم الأمور إلي قسمين: الجميل ليس فلسطينيًا، والقبيح هو الفلسطيني.
هل هناك أذي يلحق بنا أكثر من هذا التقسيم؟



هل كانت المباشرة تنازلا جماليًا او نوعًا من ضريبة تاريخية أمام قضايا الناس المصيرية؟ واستكمالا، ما زالت القضايا المصيرية هي ذاتها بل تتبدّي اليوم في كثير من تفاصيلها أخطر وأشدّ إلحاحا من قبل، مع ذلك لم يعد للشعر والأدب عمومًا ذلك الدور الذي اضطلع به آنذاك، كيف تري إلي هذا التبدّل وأين تكمن أسبابه باعتقادك؟

عندما نتكلـّـم عن دور الشعر، نتكلـّـم كلامًا افتراضيًا.
ولا مرّة نستطيع تحديد هذا الدور بالضبط، أو كيف يتجلي.
هناك طبعًا مقولات جاهزة عن دور الشعر، عليه أن يكون كذا وكذا.. لكن دون أن نختبر إلي أيّ مدي تحقّق هذا الدور.
نحن نقرأ لبعضنا البعض ونعتقد أن المجتمع كله معنا.
الشعر دائمًا كان له دور ثانوي لأنه دائمًا، للأسف الشديد، يخصّ النخبة.
النخبة ليس بمعناها الضيق لكن بمعناها الواسع.
من يقرأ الشعر؟ يقرأ الشعر من هو قادر علي القراءة، ومن عنده إمكانيات ثقافية لفهم الشعر، ومن يحب الشعر.
إذن، دائمًا كان للشعر قرّاء خاصّون. والشاعر يسعي إلي تكبير مساحة هؤلاء الخاصين، ليصل إلي جمهور أكبر.
أما القول إن الشعر كالخبز وكالهواء فهو حلم، حلم أقرب الي الوهم.. يا ريت، لكن ليس ثمة فن هو كالخبز والهواء.

2007-05-27

حوار معه

يشبه نفسه بشكل مدهش: في الحياة كما في القصيدة. تسأله عن ذاته فيحيلك إلى الجماعة. تضعه في مواجهة الجماهير، فيستلّ ذاتيّته جسراً أكيداً للتواصل، خارج راهنيّة القصيدة التي «تعاند الزمن»...
محمود درويش الذي يدعو معاصريه إلى التغلّب على هوس الشاعر الأول، أو الشاعر الأوحد، خصّ «الأخبار» بحديث مسهب في شؤون القصيدة وشجون صاحبها الواقف «في حضرة الغياب»
«يا أهل لبنان الوداعا» هذا ما قاله محمود درويش، قبل 25 سنة، في قصيدته الشهيرة «مديح الظل العالي». لكنه عاد أكثر من مرة إلى بيروت ليلتقي جمهوره وأصدقاءه. سلك طرقاً مختلفة وغيّر وجهة سير قصيدته أكثر من مرة. انخفض الصوت العالي في نبرته. تخفّف شعره من حمولات رمزية ونضالية مباشرة. صاحب «أحمد العربي» و«جواز سفر» صار يكتب «بقايا كلام على مقعدين» و«ورد أقل». «الأخبار» التقت درويش بعد الأمسية التي أحياها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» قبل أسبوعين

* تقديمك في الأمسيات الشعريّة قد يخلق بعد التشوّش لدى الجمهور... ما يلزمك بمهمّة رفع سوء التفاهم

يفترض بالمقدم أن يمهّد للعلاقة الحميمة التي سيخلقها الشاعر مع جمهوره. بعض المقدّمين ينجح في هذا، وأحياناً أشعر بأنه قال كلاماً مهماً في شعري. لكن ما يسيء إليّ هو أن يحدد المقدم صورة مسبقة، أو قراءة نمطية للشاعر. أقدم أحياناً كشاعر قضية، وأنا أقوم بقراءة شعر مخالف لهذه الصورة. أعتقد أن الجمهور لم يعد يكترث بالمقدمات. بوسع الشاعر بسرعة أن يزيل سوء التفاهم الذي قد تخلقه المداخلات السابقة لاعتلاء المنبر. لكنني ممتن دائماً لمن يقدمني، سواء أفرط في
التأويل السياسي أو أفرط في التأويل الجمالي، وفي اعتقاده أنه يحسن فعلا .

* يتعامل معك كثيرون كشخصية اعتبارية، لا كشاعر أو كإنسان عادي... هل تعاني من هذا الأمر ؟

نعم، أعترف بذلك. غالباً ما أُقَدَّم محاطاً بعوامل تاريخية وخارجية وسياسية مرهقة. كأني ممثل أخلاقي أو سياسي لقضية اتفقنا على تسميتها بالمقدسة. هنا الشاعر الذي في داخلي يشعر بالقلق. فأنا ليس لدي أجوبة ولا أحمل مشروعاً سياسياً، ولا أنطق ــــ شعرياً على الأقل ــــ باسم جماعة، وإن كان هذا المستوى موجوداً في الخلفية الشعريّة. لذا أحاول التخفيف من ضغط تلك الحمولة الرمزية: لا بدّ من تناول شعري بشروطه الجمالية العامة، لا بخصوصية انتماء صاحبه. أطالب بأن أعامل كشاعر لا كمواطن فلسطيني يكتب الشعر. تعبت من القول إن الهويّة الفلسطينية ليست مهنة. قد يتكلم الشعر عن قضايا كبرى، لكن علينا أن نحاكمه بخصائصه الشعرية، وليس بالموضوع الذي يتكلم عنه. الشعر يُعرّف جمالياً لا بمضمونه، وإذا تطابق الاثنان فإن ذلك جيد.

* في أعمالك الجديدة نلحظ خفوتاً في النبرة. كأن القصيدة مكتوبة بحميمية ولأشخاص قليلين. هل تحس بأن تلك النبرة لم تعد مناسبة لجمهور كبير؟

أبداً، لأن هؤلاء الآلاف مكونون من ذوات صغيرة. ليس من حقنا أن نعامل الجالسين في القاعة على أنهم كتلة مجرّدة من الخصائص الفردية. عندما أكتب عن ذاتي، أحس بقدرة مخاطبة أقوى مما لو كنت ألقي قصيدة حماسية أفترض فيها أن الكل يجتمع في واحد. عندما أكشف ذاتي الشعرية، أشعر براحة أكبر، وأحس بأني أقترب أكثر من مفهوم الشعر، وأقترب أكثر من مزاجي الشخصي أمام هؤلاء الآلاف، كل على حدة، ومجتمعين معاً. أعتقد أن الشاعر هو الذي يضبط إيقاع القاعة. أنا لا أذهب إلى هموم شخصية أو تفاصيل لا تعني الآخرين. تبدو القصيدة مجرد لعبة تقوم على تقشف بلاغي ماكر، لكن هناك دائماً معنى متخفٍّ وراء هذا اللعب. ما يبدو أحياناً مجانياً في النص ليس كذلك. العلاقات بين عناصر القصيدة محكومة بذكاء الشاعر في البحث عن معنى للوجود والحياة.

* هل عطّل حضورك الاعتباري أي قراءة نقديّة لشعرك؟

بصراحة، أنا أشكو من الإفراط في التأويل السياسي لشعري، على حساب الانتباه إلى المسألة الجمالية التي ينبغي للنقد أن ينشغل بها أكثر من خطاب القصيدة. لا يغضبني ناقد يشير إلى عناصر سلبية في شعري، بقدر ما يغضبني غضّ الطرف عما ينبغي أن يُقرأ في شعري: ماذا أضاف؟ وما هي مكانته في الشعر العربي الحديث؟ وغيرها من الأسئلة التي أرجو أن يساعدني النقد على معرفة نفسي من خلالها. أشكو أيضاً من تصنيفي وطنياً لا شعرياً. إذا كنت «شاعراً فلسطينياً»، فإنك لا تكتب سوى موضوع واحد هو فلسطين، ونصك مقروء مسبقاً حتى قبل أن تكتبه. لا يطلب الناقد شيئاً محدداً من الشاعر السوري أو العراقي أو المصري، أما عندما يصل إلى الشاعر الفلسطيني فيقرر ما ينبغي عليه أن يكتبه

* حين قدّمك أدونيس في فرانكفورت، قلت إنها المرة الأولى التي تسمع فيها رأيه في شعرك... أليس هذا غريباً؟

أدونيس وأنا قضينا سنوات طويلة معاً. وكانت صداقتنا يومية، ولياقة كل واحد منا كانت تمنعه من إبداء رأيه في الآخر، وهو رأي إيجابي على أي حال. عندما قدمني أمام جمهور ألماني، حيّاني، فرددت له التحية. لكن بشكل عام هناك حزبية في الحياة الشعريّة العربية. يعني إذا كنت تحب نتاج شاعر معين، فعليك أن ترفض نتاج شاعر آخر! أنا لا أحب الشعر الذي يشبه شعري. هناك شعراء يشجعون من يقلدهم ويؤسسون أحزاباً. أعتقد أن المسألة أخلاقية، وتتعلق بقدرة كل واحد منا على الاعتراف بحرية الاختيار، وتعدد الخيارات الموجودة. علينا أن نتخلص من مفهوم الشاعر الأول، أو الشاعر الأوحد. ويجب أن نفعل ذلك في السياسة أيضاً. لا يستطيع طائر واحد أن يحتكر السماء. المشهد الشعري العربي يتسع للتعدد والتجاور والتعايش. هذا ما يصنع تنوعه وغناه. من العبث فرض تيار شعري. لكن العلاقات بين الشعراء العرب ليست صحية للأسف. النميمة أصبحت سمة الثقافة السائدة.

* هل تحس بأن الجملة التي بدأت بها لم تتغير في الجوهر، وأن مكونها الإيقاعي أو الوجداني واللغوي بقي على حاله؟

هذا سؤال صعب. على الشاعر أن يراقب نفسه. أن يكون حذراً من هيمنة مفردات وجمل على تجربته الشعرية. عليه أن ينظف، إذا جاز التعبير، نصه الشعري من تكرار نمطي لا يشكل بالضرورة ملامح قوية في شعره. في لاوعيه اللغوي والبلاغي والاستعاري، قد تكون تسيطر جملة إيقاعية على مسيرة الشاعر. عندما ألاحظ أن هذه الجملة موجودة، أجري عليها تعديلات أو ألغيها. لكن قد لا ألاحظ ذلك، فتبقى تلك الجملة ملازمة لي .

* جملة الشاعر الأولى بمثابة جلد له. وهذا البيان الشخصي يبقى، مهما طرأ على نصّه من تطورات وانعطافات...

إذا نظرنا من هذه الزاوية، هذه ملامح لا تُحذف ولا يجب أن تُحذف. هذا وجهك الشعري أو بصمتك، ومن المستحيل أن تغير سمات البصمة. أعتقد أن الشاعر الذي تُعرف قصيدته من دون أن يوقعها يكون قد كوّن ملامح هوية شعرية خاصة، من دون أن يكرر نفسه. أتحدث هنا عن نَفَس الشاعر وإيقاعه. لكنني لا أعرف إذا كان أمراً جيداً أن يتعرف القارئ إلى قصيدة من دون أن يعرف اسم كاتبها، لكن عكس ذلك يقودنا إلى استخدام أقنعة. أنا أفضل وجهي على القناع، لكن هذا الوجه، أو هذه الأنا، تجري عليها تحولات دائمة من دون أن تصبح عكس ما هي

* قلت مرة إنك تحاول كتابة قصيدة نثر بالوزن. هل تظن أن الفرق بين القصيدتين هو الإيقاع والوزن فقط؟ هل كتابة قصيدة نثر ممكنة بمواد ومكونات إيقاعية؟

الشعر طبعاً يصعب تعريفه. لكن هناك ثوابت في تعريفه مثل الإيقاع. الإيقاع ليس الوزن، بل هو طريقة تنفس الشاعر وموسيقاه الداخلية. الإيقاع ليس حكراً على الوزن. وقد يتأتى من العلاقات بين الحروف والكلمات والدلالات حتى في نص نثري. لذلك لا نستطيع كتابة قصيدة نثر موزونة. خلافي ليس مع قصيدة النثر التي أحبها كثيراً، خلافي هو مع الادعاءات النظرية التي تقول إنه لا شعر ولا حداثة خارج قصيدة النثر. يُقال إن قصيدة النثر مشغولة بالتفصيلي والهامشي واليومي. هذا لا يكفي لتعريف قصيدة النثر، لأن هذا قد يُكتب إيقاعياً وبالوزن التقليدي أيضاً. هذا ما قصدته حين قلت إني أستطيع أن أستوعب خطاب قصيدة النثر في قصيدتي الموزونة. وبالمناسبة هناك سوء فهم لموقفي من قصيدة النثر. أنا من أكثر المعجبين بها، وإن كنت أختلف على المصطلح. أنا أفضِّل أن أقول «القصيدة النثرية» كما أرفض مصطلح «قصيدة التفعيلة» وأفضل عليه تسمية «القصيدة الحرة». للأسف تكرست هذه المصطلحات. تعريف الشعر بات أكثر صعوبة اليوم. فالشعر قد يتسع للسردي والنثري والموسيقي. بعض الشعراء وجد كتابي الأخير «في حضرة الغياب» قصيدة نثر طويلة. هذا يفرحني

* ردّدت مراراً أنك تتمنّى حذف جزء كبير من قصائدك القديمة. ماذا يمكن أن تقول عن أعمالك الحالية بعد عشرين سنة؟ أين منطقة الرضا إذاً؟

هناك شيء واضح بالنسبة إليّ، وهو أني لن أبلغ منطقة الرضا. أنا شديد التطلب وملول من المنجز. وأشعر، صادقاً، بأني لم أصل إلى حدود ما يسمى الشعر الصافي. الشعر الصافي مستحيل، لكن علينا أن نغذي أنفسنا بوهم وجوده. الشعر الصافي متحرر من تاريخيته ومن ضغط الراهن، أي إنه يعاند الزمن. لكنّنا ما زلنا نقرأ، بكامل المتعة، الكثير من الشعر العظيم الذي كُتب في لحظة زمنية عن واقع معين. التاريخ والواقع ليسا، على ما أظن، عبئاً على صفاء الشعر الذي يأتي من طين الحياة، لا من أزهار الفل. الشعر الجيّد يعيش خارج شروطه الزمنية. حين نقرأ هوميروس هل نقرأه في حرب محددة وزمن محدد؟

*... في نصوصك الأخيرة هناك حضور شديد للموت والغياب

أنا أتقدم في السن. لكن من حقي أن أقول إن الحديث عن التقدم في السن يتم بلغة فتية. هناك شعرية فتية في اقترابي من الموت. أليس كذلك؟

*. أظن أن جزءاً من عافيتك الشعرية يعود إلى تحديك المتواصل لنبرتك وعبارتك

أي شاعر يجلس إلى نفسه، ولا يشعر أنه تافه... لن يكتب شعراً مهمّاً. أن تحس بأنك لم تكتب شيئاً ولم تحقق شيئاً هو الحافز الدائم للكتابة. هذه هي ورطة الشعر. أنا أشعر بأني لم أكتب شيئاً. أحاول أن أصحّح ما فعله الزمن بي، وما لم أفعله في الشعر.

... تقول «في بيت ريتسوس»: «ما الشعر في آخر الأمر؟». أريد أن أعرف الجواب منك

الجواب كما جاء في القصيدة ذاتها: «هو الحدث الغامض الذي يجعل الشيء طيفاً / ويجعل الطيف شيئاً / ولكنه قد يفسّر حاجتنا لاقتسام الجمال العمومي». ريتسوس قال «الحدث الغامض»، الباقي من تأليفي.

***

«ديناصورات» التفعيلة؟

يتحدث معظم النقاد عن أزمة في قصيدة النثر، أما التفعيلة فتكاد تكون خارج هذا النقاش. لكن هل هذا يعني أنها بلا أزمة؟ الواقع أن أزمة قصيدة التفعيلة مختلفة، فهي تعاني من مشكلة بقاء في ظل تقدم ممثليها الكبار في السن، وقلة المواليد الجدد فيها.

رغم أن محمود درويش لم يكفّ عن تطوير قصيدته، ورغم أنه يعترض على اعتبار قصيدة النثر خياراً مستقبلياً وحيداًً للشعر، إلا أنه يعترف بأن ما يصدر من النثر -إحصائياً - هو أكثر من التفعيلة، كما أنه يقرّ بأن هذا يشمل جودة ما يُنشر أيضاً. بحسب درويش، الشعر الجيد اليوم أكثره ينتمي إلى قصيدة النثر.

لعل درويش -مع شعراء آخرين كأدونيس وسعدي يوسف -يحمل عبء إطالة عمر قصيدة التفعيلة، وإبقائها على قيد الحياة. كما أن تضاؤل عدد الشعراء الجدد الذين يلتحقون بهذه القصيدة يجعل من هؤلاء الثلاثة آخر ديناصورات قصيدة التفعيلة.

كان يقال إنّ محمد مهدي الجواهري هو آخر الكلاسيكيين الكبار، وإنّ رحيله سيكون إيذاناً بدفن القصيدة العمودية. بهذا المعنى، يمكن القول إنّ درويش وأدونيس وسعدي هم آخر التفعيليين الكبار.

الأخبار
٢٨ نيسان 2007

2006-09-03

محمود درويش كما يرى نفسه وكما يراه عبده وازن

يحاور الزميل عبده وازن الشاعر محمود درويش في كتابه "محمود درويش الغريب يقع على نفسه"، (دار رياض الريّس) حواراً طويلاً يمهّد له بمقدمة من أربعة فصول تقرأ بعض أعمال الشاعر الجديدة وتحلل عناصرها الشعرية.

لا يمكن قراءة أعمال درويش الشعرية الممتدة على نحو أربعين سنة ولا تزال، خارج مسيرته الحياتية مذ خرج من الأراضي المحتلة عام 1971 وحتى عودته اليها بعد إقامة السلطة الفلسطينية، حيث يعيش متنقلاً بين عمان ورام الله. كذلك لا يمكن قراءتها خارج التطور الشعري للقصائد بين مرحلة وأخرى، إيقاعا وتفعيلة ومبنى ومعنى، دون سبر غور التحولات التي طرأت، بناء على مراحل العمر والمكان والزمان، وهذا ما حاول وازن إيضاحه في هذا الحوار.

التقط وازن تطوراً في شعر درويش وصفه بالخروج عن التفعيلة في قصائده الحديثة التي حلل بعضها. ولم ينف درويش أسلوبه الإيقاعي الجديد الذي لا يلغي التفعيلة، لكنه يبدّل في استعمالها وفي دورها الإيقاعي باحثاً عن إيقاعات مبتكرة تجسدها كل قصيدة بنفسها. وهو يقول "مفتاحي لكتابة القصيدة هو الإيقاع" و"ابني القصيدة بناء هندسياً كي يكون لها قوام". الإيقاع والتفعيلة والقافية الداخلية تدفع درويش إلى رفض كتابة قصيدة النثر، رغم انها معترف بها عربياً وعالمياً، فهو يكتب النثر خارج القصيدة ولا يكتب قصيدة النثر.

كتابة القصيدة عند درويش تعبر من الحدس حيث تتشكل الصور الرؤيوية الغامضة، يرفدها إيقاع يحدد مسار القصيدة "والإيقاع هو الذي يقودني إلى الكتابة، وإذا لم يكن هناك من إيقاع ومهما كانت عندي أفكار او حدوس او صور فهي ما لم تتحول إلى ذبذبات موسيقية لا استطيع ان اكتب". ثم هناك الفكر والتاريخ والمعرفة والواقع التي مجتمعة "تقود عمل القصيدة"، مبنيةً على اللغة.

يلتمس وازن انعطافة شعرية في بضع قصائد جديدة لدرويش محللاً مواقع التجديد فيها، مستخلصاً انتقال الشاعر "من شعر القضية إلى قضية الشعر ومن حماسة المقاومة إلى سحر التمرد ومن وهج السياسة إلى غموض السياسي".

ان الشاعر المبدع والجماهيري في آن واحد يمكنه ان يتطور مع قرائه، ينتقل معهم من مرحلة إلى أخرى، ليس جميعاً، فالبعض يتوقف عند مرحلة معينة، كما قد يقف الشاعر أيضا عند محطة معينة يراوح شعره فيها فلا يتطور.

لكن لا يمكن أن يكون الشاعر جاحداً لجمهور أعطاه الشهرة حين كان التواصل بينهما مطّرداً. خصوصاً القصائد التي تصبح جزءاً من قضية وذاكرة جماعية. ولا يجوز ان يوصف محمود درويش بالجحود لقرائه ومتلقيه - لأنه يرفض كلمة جمهور – لكنه يجحد قصائده الأولى التي كتبها في بداياته بعنوان "عصافير بلا أجنحة" فيسقطها من أعماله. يصفه وازن بأنه شاعر جماهيري ونخبوي في آن واحد، يسعى للارتقاء بجمهوره إلى شعره. يقول درويش: "لا انظر إلى ماضيَّ الشعري برضى، لكنه لما تطور لولا التراكم الشعري الكبير على مدى سنوات طويلة، ان الشعر يتطور بتطور مراحل العمر"، ويضيف: "لو أتيح لي ان احذف لحذفت نصف أعمالي".

يكتشف وازن مواءمة بين شعر درويش وشعر نشيد الأناشيد في رسم خريطة الأرض وخريطة الجسد في جمالية تمزج الاثنين معاً، كذلك يستخلص من الكاماسوترا فن العشق في الانتظار، ففيه عمق العاشق الحقيقي ومرتجاه. وينتهي إلى "طوق الحمامة" لإبن حزم الأندلسي مستحضراً "معجزات الحب الإنساني". وبذلك يعبر من أقصى الحدود العربية في الشرق إلى أقصاها في الغرب وما بينهما، حيث تتوسط فلسطين بجسدها الجميل ذاكرته وحياته وحبه الأبدي ومحبوبته المبجلة. وفي هذا الإطار انتقل درويش بالمرأة من تمثيلها الأرض – الأم، أي الصورة الطوباوية للمرأة، إلى صورة الحبيبة الفعلية وليست الشعرية فقط. صورة العشق الوجداني والوجودي في آن.

كما يلاحظ وازن ان المنفى مستمر في ذات درويش، حتى لو وجد نفسه على قطعة ارض في فلسطين، فوجوده لم يغيّر شعوره بالمنفى المستمر معه من ماضيه إلى مستقبله، "من أنا دون منفى"، لكن لا المنفى ولا الموت الذي واجهه درويش في غيبوبة تعرض لها يخيفان الشاعر، إنما موته الشعري إذا حصل هو الأقسى، لذلك يواجه الموت الحقيقي بالموت الشعري، أي يواجه الموت الواقعي بالحياة الشعرية.

لكن يبدو ان الموت الشعري لا يخيف درويش فهو يواجهه "جاعلاً منه الوجه الآخر للشعر واللغة"، لأن شعره ولد على مراحل وتطور مدى العمر خلافاً لشعر طرفة بن العبد ورامبو. وهنا نطرح سؤالاً يستحق دراسة، هل يستطيع الشاعر ان يكتب بعد الستين؟ كم هم هؤلاء الشعراء؟ ما هي قيمة شعرهم مقارنة بشعر الشباب؟

ان الشعر هو انتماء درويش الاول والأخير، أما اللغة فهي حاضره ومستقبله، ولعل ما أورده وازن عن قصيدة "جدارية" يعكس صورة الشاعر المرحلية، اذ يقول: "ان فيها بعضاً من الملحمية الأليفة او الذاتية. فهي لا تحاور العالم الا عبر الذات ولا تستحضر أشياء الحياة الا عبر الموت. لا جماعة هنا ولا وطن ولا منفى جغرافياً ولا خريطة بل ذات غريبة في عالم غريب "وأنا" مفردة تقاسي العزلة والألم وذاكرة تستعيد الماضي في صور تلتمع كالسراب. السفر هو في الداخل والمنفى في الداخل أيضا. أما العودة التي يطمح اليها الشاعر فهي عودة إلى اللغة "في أقاصي الهديل" وليست عودة إلى "البلد" أو الأهل أو الحبيبة، الإقامة تصبح إقامة في اللغة ويصبح السكن "سكناً شعرياً" كما يقول هايدغر".

النهار- 29- 8- 2006

جوزف باسيل
(لبنان)

2006-06-17

أم محمود درويش تتحدث لـ الشرق الاوسط عن ابنها الأغلى وتغنيه شعراً


تحولت قصيدة «أحنّ إلى خبز أمي» التي كتبها محمود درويش من وراء قضبان سجنه الإسرائيلي عام 1965 إلى واحدة من أشهر القصائد العربية الحديثة، بعد أن غناها مارسيل خليفة ورددها ملايين العرب من المحيط إلى الخليج. وبسبب شهرة هذه القصيدة بات الجميع يسأل عن والدة محمود درويش وأخبارها، في ما يكتفي الشاعر الخفر بطمأنة قرائه على حال ملهمته، بكلمات مقتضبة. «الشرق الأوسط» زارت هذه الوالدة التسعينية في بيتها، وحاورتها بعد أربعين سنة من الصمت.
قطعت والدة محمود درويش، على نفسها وعداً بالصمت دام أربعين سنة، رفضت خلالها اجراء أي حديث صحافي. لكنها وافقت بعد محاولات، على التحدث الينا، شارحة: «شو بدي احكيلك. ما ضل عندي نِفْس للحكي. طلعة محمود مش هوينة عليّ؟ الله بيعلم، بشكي أمري لله. نصيبه انه يعيش بهديك البلاد. 37 سنة في الغربة»، تقول بصوتها الهادئ تارة والغاضب تارة أخرى.
بلغت التسعين من العمر. الزمن بأحداثه الدراماتيكية حفر أخاديد على وجنتيها وترك اثره بعض الشيء على صحتها. لكنها مثل الصبايا تصر بعناد على استقلاليتها والاعتماد على نفسها، ترفض بشدة اية مساعدة قد يعرضها ابناؤها او بناتها. تعيش في بيت مستقل، بناءً على رغبتها، في قرية «جديدة الجليلية» الى جانب بيوت اولادها. عندما وصلنا للقائها كانت «مشمرة» ثيابها، وقد انهت للتو أعمالها المنزلية، في يوم شتائي مشمس. أردنا مقابلتها لنتعرف على الجانب الانساني من شخصية ابنها محمود، أو لنتعرف عليها كأم لشاعر كبير، لا بد كان لها دور كبير في بناء شخصيته، فوجدنا أنفسنا إزاء أم صبور، شاعرة ومربية لجيل من المبدعين. ما زالت تتمتع بذاكرة خصيبة، وتسهب في الحديث عن «محمود الغالي»، هكذا تصفه، «كل عمره يحب الحرية. الدنيا ما كانت واسعته. ترك البيت وهو في الثأمنة عشرة من العمر ليسكن في حيفا. اسرائيل منعته من مغادرة حيفا من مغيب الشمس حتى شروقها، لكنه ما قاطعني. كان يصل إلي في النهار، يقول لي: يما جاي بس أشوفك. دقائق معدودة ويرجع لحيفا. بعدين ما تحمل العيشة هون. ترك من دون ما يخبرنا انه رايح ومش راجع. عرفنا بعدين من الاذاعة ان جمال عبد الناصر استقبله في مصر».
تكلمت بألم شديد، كما لو ان محمود غادرها للتو. فالحديث عن هذا الغياب يحرك فيها جرحا نازفا. فنضطر الى الانتقال لموضوع آخر، عنها هي. ونكتشف انها تجيد الغناء الفلكلوري وتؤلف الكثير منه. سنوات طويلة رددت الأغاني في الأفراح العائلية، وفي كل عرس كانت هناك أبيات، تخصصها لمحمود. تروي لنا انه في حفل زفاف حفيدها البكر اتصل محمود ليهنئهم، وصادف ذلك وقت الزفة، فتركت خط الهاتف مفتوحاً، لتغني له على مسمعه ومسمع الحاضرين:
«محمود الدرويش يا سيفين يوم الحرب
يا شمع مكّة يا قمر ضاوي ع الدرب
اطلع ع الخطاب يا قوي القلب
أضرب بسيفك وعليّ مشانق ع الدرب».
«في كل عرس بغني له وفي كل مناسبة نبكي لأنه مش معنا» تضيف. ولكي تنقشع غيمة الحزن، تغير ابنتها وكنتاها اللواتي حضرن اللقاء، الموضوع قائلات: «هل عرفت الآن من أين موهبة الشعر التي يمتلكها محمود؟ انها من والدته. وعندما نسألها من أين تعرف كل هذا فتجيب مازحة: «من حليب أمي».
محمود هو الثاني بين ثمانية أشقاء. اخوه البكر أحمد، يكتب القصة والشعر، والأصغر منه زكي يكتب القصة. الاثنان يحظيان باحترام كبير في الساحة الأدبية المحلية. والشقيق الأصغر، نصوحي، نشر عدة خواطر ونظم عدة قصائد. عائلة حميمية، لكن غياب محمود عنها يترك آلاما شديدة لديها خاصة وانه يحتاج في كل مرة الى تصريح من اسرائيل لزيارتها. فالشاعر الذي يستطيع ان يلف العالم، لا يمكنه عبور الحاجز العسكري من رام الله، ليصل الى والدته وأشقائه في الجليل.
زيارته الاولى الى عائلته جاءت بعد 28 عاماً من قراره مغادرة الوطن والانضمام الى صفوف منظمة التحرير الفلسطينية. حضوره جاء بعد اتفاقيات اوسلو، وكان بمثابة عرس حضره آلاف من فلسطيني 48. بعدها كل المحاولات للحصول على تصريح لمحمود فشلت، لكن الموافقة جاءت أخيرا بعد ست سنوات من زيارته الاولى بسبب مرض شقيقه، وقد اضطرت العائلة الى ارفاق تقارير طبية من المستشفى الذي يعالج فيه ابنهم مع طلب التصريح بالزيارة.
لكن كيف تعيش العائلة شهرة ابنها؟ الشقيق الأكبر أحمد يجيبنا: «نحن اناس عاديون. اسم محمود يؤثر علينا، لكن ليس بالشكل الذي يتوقعه الناس. نحن عائلة طبيعتها الخجل والتواضع. فأنا وشقيقي زكي نكتب الأدب لكننا لا نبحث عن الأضواء. كنت مدير المدرسة الثانوية في جديدة لسنوات طويلة، اصدرت كتابين، وقريباً سيصدر لي ثالث عن خروجنا من «البروة»، لكن عندما أعّرف بنفسي أكتفي بلقب المربي. هكذا ايضاً اخي زكي».
لم توجه والدة محمود درويش كلمة عتاب واحدة له، فهي مؤمنة ان هذه مشيئة الله: «الذي يعلم بحالي.. ع العيد والله بسكر قلبي، بصير مثل الفحمة. لأنه شو هالعيد اللي ما منشوف فيه ولادنا؟ فمحمود لم يكن معنا 70 عيداً». عندما تطلق سجيتها للحديث عنه لا تذكره إلا بالخير، تتكلم عن جرأته وحبه لوطنه ورفضه للظلم، عن اعتزازها به: «أنا لمن بشوف قديش ناس بتحبو برفع راسي فيه». وتخبرنا الأم أن بذور الشعر عند محمود ظهرت وهو في العاشرة. فعندما حضر الى قرية دير الأسد، وفد من ضباط الجيش الاسرائيلي، وفي مقدمتهم الحاكم العسكري «يتفقدون أمر الرعية»، ويتفحصون مدى اخلاصها للدولة العبرية، كالعادة، استقبلهم المختار بالترحاب والنفاق ومعه مجموعة من شعراء الزجل الذين رحبوا بحضرة القائمقام قائلين: «احنا بحضرة القائمقام زدنا عدالة».
الفتى محمود كان واقفاً يراقب الحدث، لكنه لم يسكت ورد على الزجال من بين الجموع، بكلمات على نفس البحر والقافية قائلاً: «احنا بحضرة القائم مقام زدنا همالة». وقعت هذه الكلمات كالصاعقة، وبدا المختار محرجاً أمام الحضور، مبرراً لهم: «هذا الفتى ليس من قريتنا انما هو لاجئ»، وأمر بجلبه حتى يعتذر. لكن الحاكم العسكري استخدم ذكاءه واعترض، فيما كان الصغير محمود يفر من المكان، وقد غمره الأهل بالحب والإعجاب، واصبح أشهر فتى في المنطقة. لكن ما فعله محمود، كلف والده الفصل من عمله، في وقت كان ايجاد عمل فرصة نادرة.
عندما يحدثنا الابن البكر للعائلة أحمد درويش عن والدته، يذكر بأن لها شخصية قوية جداً «لكنها اصبحت تحترف الحزن منذ أن هجرنا قريتنا «البروة ». فهناك العائلة كانت ميسورة. التشرد والخروج لم يكن سهلاً عليها، وقد ترك في نفسها جرحا عميقا. اضافة الى ذلك فان اثنين من ابنائها يعيشان في الغربة وهي بشوق دائم لهما. اما هي فعندما تحدثنا عن «البروة»، تتحدث بغضب، ملقية باللوم على القيادات التي كانت السبب. عندما سالناها هل تزورين «البروة»؟ أجابت بنفس الحدة: «ولا بدي ازورها. اللي قدنا ميت مرة نسيوها. راحت البيوت وراحت الأرض وما حدا طلع بايده اشي. ناس بقيت وناس تشردت وماتت غريبة بلاد. حدا بغدر يفوت ينقب بيت عشب من ارضه هناك؟ واليهود بيعمروا فيها بيوت. لو انا بقينا مش كان أحسن؟ كان بعدنا قاعدين ببيوتنا وباراضينا».
أم أحمد ما زالت مشردة عن قريتها، تعيش مع أولادها في قرية جديدة القريبة. بيتها يقع على طرف البلدة، بمحاذاة الشارع الرئيسي، وكأنا بها تقف على قارعة الطريق تنتظر العودة الى البروة. بيت متواضع وأنيق. حوله قطعة أرض مرعية بعناية شديدة. رغم مسحة الحزن التي لا تفارق أم أحمد، كانت آثار الفرحة التي غمرتها في عيد الأضحى الأخير، بادية على محياها. فقد زارها محمود، بعد غياب زاد عن خمس سنوات. السلطات الاسرائيلية سمحت له بذلك.
«محمود انهى المدرسة الثانوية في دير الأسد وراح سكن بحيفا «تقول والدته. «هاي رغبته، وما بيطلع بايدي اشي». في حيفا مارس نشاطه الوطني والسياسي الذي كلفه السجن والتعذيب عدة مرات، وفرض الاقامة الاجبارية وزيارات الشرطة الليلية، التي انجبت المزيد من القصائد التي طبعت في أذهان الكثيرين وكانت انطلاقته كأحد أبرز شعراء المقاومة. عندما تلتقي والدته، من السهل عليك ان تعرف، لماذا كتب لها محمود قصيدته الشهيرة «أحنّ الى خبز أمي» من داخل جدران سجنه سنة 1965. وهنا تروي لنا ام احمد كيف تصرف محمود في احدى المرات، حين حضر رجال الشرطة لاعتقاله في ساعات الصباح الباكر. عندما طلبوا منه مرافقتهم قال لهم: لا استطيع قبل ان اشرب القهوة واستحم فعليكم الانتظار. وهكذا كان.
ولد محمود درويش وثلاثة من اخوته في قرية «البروة». ويوم اقترب الجيش الاسرائيلي من القرية طلبت القيادة العربية من السكان المغادرة لفترة قصيرة، بينما تقضي على الكيان اليهودي الغريب. وبدأت رحلة العذاب والتشرد. توجهت العائلة مع اولادها، أكبرهم ست سنوات واصغرهم 4 أشهر، بينهم محمود، لتعبر الحدود وتصل الى قرية «رميش» في لبنان وواصلوا الطريق مشياً الى «بنت جبيل» حتى حطت العائلة في «جزين». بعد سنة من المحاولات نجحت العائلة في العودة الى فلسطين، فوجدوا بلدتهم وقد افرغت من سكانها. الأمر الذي اضطرهم للعيش في دير الأسد 15 عاماً. بعدها استقرت العائلة في قرية «جديدة» على بعد كيلومترات من القرية الأم التي بني فوق اراضيها كيبوتس «احيهود» ليمحي اسم «البروة» عن الخريطة.
الأخ أحمد يحدثنا ان محمود نظم الشعر والقاه وهو في الابتدائية، احدى قصائدة كانت عن معلمه للغة العربية، الشاعر المرحوم شكيب جهشان. أحمد يعزو ذلك الى اهتمام عائلة والديه قبل 48 بما يدور في المنطقة. «جدي لوالدي كان عنده مضافة في «البروة» يحضر اليها الكثير من الناس، يتحدثون في السياسة والصراع اليهودي ـ العربي. وجدي لأمي كان زعيماً في الدامون له مكانته. لقد نشأنا في بيئة مختلفة. كل الوقت كان جدي يحثنا على قراءة الصحف والمطالعة، ربما هذا احد أسباب ميولنا الثقافية».
* قصيدة درويش عن أمه
أحنُّ إلى خبز أُمي
وقهوة أُمي
ولمسة أُمي..
وتكبرُ فيَّ الطفولةُ
يومًا على صدر يومِ
وأعشَقُ عمرِي لأني
إذا مُتُّ،
أخجل من دمع أُمي!
خذيني، إذا عدتُ يومًا
وشاحًا لهُدْبِكْ
وغطّي عظامي بعشب
تعمَّد من طهر كعبكْ
وشُدّي وثاقي .. بخصلة شَعر ..
بخيطٍ يلوِّح في ذيل ثوبكْ ..
عساني أصيرُ إلهًا
إلهًا أصيرُ ..
إذا ما لمستُ قرارة قلبك !
ضعيني، إذا ما رجعتُ
وقودًا بتنور ناركْ ..
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدتُ الوقوفََ
بدون صلاة نهارك
هَرِمْتُ، فردّي نجوم الطفولة
حتى أُشارك
صغار العصافير
درب الرجوع .. لعُش انتظارِك !
نقلا عن موقع جريدة الشرق الاوسط

2006-02-04

حوار معه- نقلاً عن موقع جهة الشعر


أجرت صحيفة "ليبيراسون" الفرنسية حواراً مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش، تطرق فيه لمواضيع مختلفة. وقد ظلّ الشاعر الفلسطيني، كمَا عوَّدَنا في كل الحوارات التي أُجرِيَت معه، قادرا على الإجابة كما لو أنه يقرأ إحدى قصائده
تُشَكِّلُ فلسطين، ومنذ أكثر من نصف قرن، بالنسبة للشعب العربي مَرْجِعاً، وكذلك رمزَ الفردوسِ الضّائع. ولكنها تُجَسّد أيضاً، الصراعَ من أجل العدالة، التي تَظَلّ، بالنسبة للعديد من العرب، جَوهرَ وُجودِهِم المُعاصِر: العدالة في فلسطين
. تُمَثِّلُ، بشكل من الأشكال، نوعاً من شرطَ مُمارَسَة حريتهم الخاصة
:حين يُسألُ الشاعر عن ما تعنيه هذه العدالة يُجيبُ
إنَّ تاريخَ فلسطين كان دائما تاريخاً مُتَعَدِّداً. والصراع الذي نعيشه ضدّ الإسرائيليين، على المستوى التَصَوُّرِي، يدور حول هذه النقطة. هُمْ (أي الإسرائيليون) يريدون أن يبدأ تاريخ فلسطين مع تاريخهم، أي منذ القرون التي سكنوا وسادوا في هذه الأرض. كما لو أن التاريخَ تَبَلْوَرَ بحيث لم يوجد شيء من قبل ولن يوجد شيء من بعد. ودولة إسرائيل حسب هذا التصور تمثل امتدادا طبيعياً لهذه المرحلة. أما نحن فنعتقد أن تاريخ فلسطين يبتدئُ منذ أن تواجد (في فلسطين) بَشَرٌ، على الأقلّ منذ أنْ تَوَاجَدَ الكنعانيون. وإذا تَوَاصَلَ هذا التاريخُ مع المرحلة اليهودية، وهذا مَا لاَ نُفكّر في نفيه، فإن تاريخ فلسطين هو تاريخٌ متعدِّدٌ. إنه تاريخ يجمع ما بين سكان أرض الرافِدَين والسوريين (نعتقد أن المقصود هم الأشوريون. المترجم) والمصريين والرومانيين والعرب، ولاحقا العثمانيين. ربما تاريخ فلسطين تَشَكَّلَ من خلال العنف، ولكنّ هذا لا يمنع أنه ثمرةُ التقاء كل هذه الشعوب. إنّ هذه التعدديةَ ثراءٌ. وأنا أَعتَبِرُ نفسي وريثاً لكلّ هذه الثقافات، ولا أتضايق، البَتَّةَ، في التصريح بِوُجود جزءٍ يهوديّ فِيَّ. لا أستطيع أن أتَصَوَّر امتلاكا حصرياً لهذه الأرض. أنا أَرُدُّ على الإسرائيليين الذين يَدّعون أنهم يمثلون امتداداً لِمَملكة إسرائيل بالقول بأني امتدادٌ للكنعانيين. لا أريد أن أقول إنني كنت هنا قَبلَهُم، أنااقول فقط: أنا منتوجُ كلّ هذا وأَقْبَلُهُ وأضطلع به
وعن سؤال ما يعنيه تعريف محمود درويش لنفسه بـ"الشاعر الطروادي"، يرد
"أنا لم أَخْتَر أن أكون ضحيةً، لا على المستوى الوجودي ولا على المستوى السياسيّ. الشروط التاريخية هي التي جعلت الفلسطينيين-وأنا من بينهم- ضحايا. وهكذا فأنا أُجهِدُ نفسي على التعبير عن وعي الخَاسِر وعن الضحية. هذا هو ما يعنيه أن تكون شاعراً طرواديّا: إنه القول بأنه لا يوجد فقط مَحْكِيُّ المُنْتَصِر. إننا لم نسمع أبدا صوت الطرواديين، و"هوميروس" هو النشيدُ المَجِيدُ للإغريق. إنّ الطرواديين يمكن أن يكونوا قد عبَّروا بطريقة أو بأخرى، ولكن صوتَهُم تبدَّدَ إلى الأبد. وأنا كَشَاعِر أبحثُ عن هذا الصوت. الضعفاءُ يتوجَّب عليهم أن يُقَدِّموا رواية التاريخ، ولا يجب، أبداً، الاكتفاءُ برواية الأقوياء. وعلى كل حال، فإنّ الأدبَ الجَيِّدَ هو أدبُ الضعفاء والمهزومين ومن يُعانون، ومن فضائل الأدب أن تُتِيحَ لنا التحسيسَ بِالأَلَم والجِرَاح، وبالتالي إيصالَنَا إلى إنسانِيَتِنَا
وتسأل الصحيفة: إذاً فمن الأفضل، حسب رأيك، أن تكون سجيناً من أن تكون سجّاناًيجيب درويش
" إننا ننسى أن السَجَّان هو، بصيغة ما، سجينٌ: إنه سجينٌ بلا أُفُق، ولا يحمل أيّ رسالة، وإنّ ما يبحث عنه ليس هو تحقيق حريته وإنما منع الآخَر من أن يكون حُرّاً، إنه ضحيةُ نفسِهِ. السَجَّان لا يستطيعُ الغناءَ لأنه يَجهلُ كلَّ شيء عن الكآبة، إنّه لا يملك، لا الندَم إلى السماء ولا الحنين إلى البحر. أما السجين، فبالمقابل، يُغَنّي، لأنّ الغناءَ وسيلتُهُ الوحيدةُ للإحساس بِوُجودِه الخاصّ والبرهنة عليه. وهو في أعماق نفسه يُحِسُّ بأنه أكثرُ حريةً من سجّانِهِ الذي لا يَملِكُ وعياً بحريته الخاصة وبعزلته الخاصة. إنّ دور الشِّعَر هو أن يمنَحَنَا هذه القوة، بالرغم من أنها تَخَيُّلِيّة
وعن سؤال عن استخدام درويش لِـ"النّاصري" المسيح. يقول
"لديَّ كُلُّ الأسباب التي تدفعني لاعتبار المسيح صديقاً شخصياً. إنّه ابنُ البلد، فهو من "الناصرة" في الجليل. ثمّ إن رِسَالَتَه بسيطةٌ جدا، رسالةُ السلام والعدالة. فهو في أَمثالِهِ (القصص القصيرة ذات المدلول الأخلاقي، والتي تَرِدُ بشكل أكبر في الأناجيل الأربعة. ملاحظة من المترجم) يتحدث كما لو كان شاعراً. فهو في حدّ ذاته حالةً شعرية: يريد تَدجين السجّان من خلال مُهَامَسَتِهِ، بل وحتى معانقته، فهو يُواجِهُ العنفَ بالرِقَّة. إنه صديقُ الضعفاء، والمحرومين، والمنعزلين. وهو في هذا رمزٌ للتسامُح ولِوَحْدة البشرية. وأخيراً، هو صورةُ المعاناة. وبما أنه كذلك، فهو يُلهِمُنَا ويمنحُنَا الشجاعة. لأنّ الشعب الفلسطينيَّ، اليومَ، هو الموضوعُ على الصليب بسبب سياسة الاحتلال الإسرائيلي. لقد أصبحَ موتُ الفلسطينيّ مسألة غير مهمة مثلها مثل النشرة الجوية (الطقس)، وغزوُ أمريكا، التي وضعت نفسها فوق القانون، للعراق لم يعمل إلاّ على إضفاء القداسة على وضعية الاحتلال."
وعن السبب الذي يجعل الشاعر محمود درويش يذكر المسيح أكثر مما يذكر النبيّ محمد"، يقول
"لأني أُحِسُّ بأني أستطيع أن أتَحدَّثَ عن أحدهما بِحُرّيّة، بينما أَشْعُر كما لو أنَّه توجد رِقَابَةٌ مَا حين أتحدث عن الآخَر. وبما أنّه تمّ قبول الفصلُ بين الدينيّ والسياسيّ في المسيحية، فإنه يبدو سَهْلاً مُحَاوَرَةُ المسيح. لقد استطاع الفنّانون أن يُصوّروا المسيحَ أشقَرَ، أَسْمَر أو أسودَ، ولكني لا أستطيعُ أنْ أتَخَيَّل "محمدا" إلاّ عربيّا
في قلب الكارثة، هل يستطيع الشاعِرُ أن يُغَنّي؟ كيف يمكن مُصَالَحَةُ التزام الشاعر السياسيّ في العالمَ والتعبير الغنائيّ عن جوانيّتِهِ؟ كيف يمكن إيجاد حلّ لهذا التوتر بين الداخل والخارج؟
- أي مكانٍ للشِّعر في عصر البربرية؟ إنّ صرخة "أدورنو": "هل من الممكن كتابةُ قصيدة بعد "أوشفيتز"؟ تَرِنُّ دائما بكثير من الصحّة والدقّة. لا أعرفُ متى وعَيْتُ هذه الثنائية بين الداخل والخارج، هذه الجَدَلِيّة بين التزام الشاعر وحريته. بالرغم من أنه أن تكون شاعراً، في حالة فلسطين، معناه أن هذه الثنائيةَ تصبح محسوسةً بشكل لا مَفَرَّ منه. لأنّه طُلِبَ من الشاعر في وقت مُبَكِّر: "مَنْ أنتَ حقيقةً؟" وأنا بدوري تَسَاءَلْتُ: "من أكونُ، حقيقةً؟" لأنه في نَظَر الشروط التاريخية التي وُلِدْتُ فيها، لم يكن الالتزام خياراً. إنّ كُلَّ الكُتّاب الفلسطينيين، ودون أن يعرفوا مفهومَ الالتزام، كانوا مُلتَزِمِينَ. إنّنا حين نكتُبُ تاريخَنَا الشخصيَّ فإننا نكتُبُ تاريخنا الجماعيَّ
وعن جدوى الشِّعر، يرى الشاعر درويش " لم تكن لنا أبداً من قبْلُ هذه الحاجة إلى الشعر. الشِّعْرُ لا يُوَاجِهُ الحربَ بأسلحة الحرب. إنه لا يُسقِطُ طائرات بِصَاروخ بلاغي."
وعن السؤال التالي: "أنتَ كشاعر فلسطينيّ، شَاهِدٌ على مأساة شعبِكَ وكذلك شاهد على الإيمان بالإنسانية. وكلمة "شَاهِد" هي المعنى الأول لكلمة "شَهِيد". والذين يقومون بعمليات-انتحارية يُطْلَق عليهم أيضا "شُهَدَاء". كيف يمكن أن نكون شهيداً ونتسبَّبَ في موت أشخاص أبرياء؟
يجيبُ محمود درويش: "كذلك في القرآن، كلمة "شهيد" تعني أيضاً "شَاهِد". يوجد خلطٌ في تحديد العمليات الانتحارية. وهنا لا يتعلّق الأمرُ بـ"شهداء" ولكن بـ"انتحاريين" Kamikazes. وفي الحروب، يوجد انتحاريون kamikazes في كلّ الأطراف. إنّ كلمة "شهيد" كلمة مفتوحةٌ جدا. المسيحُ ومحمد الدُرّة والشعب العراقيّ الذي هَلَك تحت القنابل "الذكيّة" الأمريكية، هم شهداء، لأنهم يَشْهَدون بإنسانيتهم في وجه الرُّعب والبربرية. الانتحاري Kamikaze، في نظري، هو من يمنح حياتَهُ من أجل قضية يعتقد أنها عادلةٌ. أنا أَدَنْتُ، ولم أَكُن الوحيدَ، العمليات الانتحارية kamikazes التي تَسْتَهْدِف مَدَنِيّين. الإسلامويون يَرُدّون بالقول إنّ الإسرائيليين يقتلون هُم أيضا مدنيين (فلسطينيين). وجوابي هو: ليس علينا أن نفعل مثلهم (الإسرائيليين)، لأننا إن فَعلْنَا مثلهم، فما هو الفرقُ بين الجلاّد والضحية؟"
هل توجد نقاط مشتركة ما بيت المأساة (التراجيديا) القديمة والمأساة التي يسببها الصراع الإسرائيلي الفلسطينيّ؟
يجيب محمود درويش:"الآلِهَةُ عند الإغريق هي مَنْ يُقَرِّرُ، هذا هو القَدَرُ. المُؤَلِّفُ القديمُ يَصِف بَطَلاً تتكسَّرُ حركاتُه وكبرياؤه بسبب إرادة الآلِهَة، بينما يتحدّث الشاعر الفلسطينيُّ، اليومَ، عن شيء آخَر من البطولة. لا يوجد في مأساتنا قَدَرٌ، وإنما الرغبة في تغيير الأشياء هي التي تُحَفِّزُ الأفعالَ. يوجد اختلافٌ آخَرُ، واسمحوا لي أن أجيب بسخرية: في المأساة الإغريقية يوجد تَعَدُّد آلِهَة نعثر من بينها على مَنْ هي حسّاسة وحنونة على ضحَايَاهَا. في الوقت الراهن، لا يوجد سوى إلهٌ واحد، وهو إلهٌ أمريكيٌّ. وأنا على ا لمستوى السياسي و الشّعري أفضل تعددية الآلهة على التوحيد
الحوار نشر في ليبراسيون في 10/11 أيار (مايو) الماضي